أكد خبراء اقتصاديون أن قرار لجنة السياسة النقديـة التابعة للبنك المركــزى المصـرى بخفض أسعار الفائدة كان متوقعًا، وذلك بفضل تراجع التضخم المحلى، واتباع سياسة التيسير النقدى عالميًا.
وقررت لجنة السياسة النقديـة، فى اجتماعها، أمس الأول، خفض سعرى عائد الإيداع والإقراض لليلة واحدة، وسعر العملية الرئيسية للبنك المركزى بواقع ١٠٠ نقطة أساس إلى ٢٠.٠٠٪ و٢١.٠٠٪ و٢٠.٥٠٪ على الترتيب، إلى جانب خفض سعر الائتمان والخصم بواقع ١٠٠ نقطة أساس ليصل إلى ٢٠.٥٠٪.
وقال هانى أبوالفتوح، الخبير المصرفى، إن خفض الفائدة بمثابة إعلان رسمى عن بداية مرحلة «التقاط الأنفاس» للاقتصاد المصرى، بعد سنوات من الضغوط التضخمية العنيفة، معتبرًا أن إنهاء عام ٢٠٢٥ بقرار توقعته السوق، وهو خفض الفائدة بمقدار ١٠٠ نقطة أساس، يمثل إعلانًا عن استئناف موجة التيسير النقدى، لتصبح مستويات الفائدة الجديدة عند ٢٠٪ للإيداع، و٢١٪ للإقراض.
وأضاف «أبوالفتوح»: «يعد التخفيض هو الخامس خلال العام الجارى، منذ أبريل الماضى، وأصبح معه إجمالى الخفض التراكمى ٧٢٥ نقطة أساس، ما يعكس أن صانع السياسة النقدية لديه ثقة فى اتجاه انكماش الأسعار، الذى بدأ يظهر فى بعض السلع مؤخرًا».
وواصل: «بيانات التضخم لشهر نوفمبر كانت دافعًا قويًا لقرار البنك المركزى، فقد تباطأ المعدل السنوى فى المدن إلى ١٢.٣٪، ما منح البنك الضوء الأخضر للتحرك دون خوف من ارتفاع الأسعار مجددًا». وأكمل: «مع ذلك، تظل الضغوط قائمة فى التضخم الأساسى الذى سجل ارتفاعًا طفيفًا إلى ١٢.٥٪. ولهذا السبب، نصح صندوق النقد الدولى بالاستمرار فى الحذر، فأسعار السلع لا تزال تتغير شهريًا، ولم تستقر بشكل كافٍ بعد، ما يتطلب مراقبة دقيقة لضمان بقاء الأوضاع تحت السيطرة حتى بداية ٢٠٢٦، وهو العام الذى يخطط فيه البنك المركزى لخفض نسبة التضخم لتصبح بين ٥٪ و٩٪».
وتابع: «قرار مجلس الاحتياطى الفيدرالى الأمريكى بخفض الفائدة إلى نطاق ٣.٥- ٣.٧٥٪ خفف الضغوط على الجنيه، وفتح الشهية لتدفقات الأموال الساخنة والاستثمارات الأجنبية المباشرة، التى بلغت نحو ٦.٨ مليار دولار فى الربع الثالث من العام الجارى، والنتيجة أن الجنيه أصبح فى حال أفضل أمام الدولار الأمريكى، ليستقر دون مستوى ٤٨ جنيهًا».
ونبه إلى أن من العوامل الداعمة الأخرى حدوث طفرة سياحية غير مسبوقة، رفعت إيرادات قطاع السياحة إلى ٢٤ مليار دولار، وكذلك ارتفاع الاحتياطى النقدى الأجنبى إلى ٥٠.٢ مليار دولار، ما يوفر حائط صد منيعًا ضد أى تقلبات مفاجئة.
وأتم بقوله: «يبدو أن السيناريو الأرجح هو استمرار الخفض التدريجى للفائدة فى ٢٠٢٦، بشرط استقرار الأوضاع الجيوسياسية، التى لا تزال تمثل الهاجس الأكبر لإيرادات قناة السويس والسياحة. لذا نجاح دورة التيسير الحالية يعتمد كليًا على ثبات سعر الصرف، وقدرة القطاع الخاص على استغلال تراجع تكلفة التمويل فى زيادة الإنتاج». أما عزالدين حسنين، الخبير المصرفى، فقال إن البنك المركزى يرى أن التضخم العام سوف يستقر عند المستويات الحالية ١٤٪ فى المتوسط، والتضخم الأساسى سيأخذ اتجاهًا نزوليًا ليحقق مستهدفاته خلال الربع الأخير من ٢٠٢٦، ما دفعه لخفض الفائدة الذى يأتى فى صالح المقترضين وفق عائد متغير مع الكوريدور، سواء الشركات أو المصانع أو الأفراد.
وأوضح «حسنين» أن قرار الخفض يقلل من تكاليف التمويل والتشغيل، ويسهم فى خفض أسعار المنتجات. ورغم أن «المركزى» يُقر بأن الضغوط التضخمية واردة فى ٢٠٢٦ بسبب التوترات الجيوسياسية القائمة، وما لها من تداعيات سلبية على سلاسل الإمداد وأسعار السلع الأولية، فإنه فضل تخفيف أعباء التمويل على القطاعات الاقتصادية المقترضة، إلى جانب تخفيف أعباء التمويل على الحكومة، مع توقعات بألا يمتد هذا الخفض إلى الأوعية الادخارية فى القطاع المصرفى.
وشرح: «قد تظهر شهادات ادخار بعائد ثابت لمدة عام بسعر فائدة على الأقل ٢٠٪، بجانب شهادات متغيرة العائد لمدة ٣ سنوات بعائد متدرج، مرتفع فى السنة الأولى ٢٠٪، ثم إلى ١٩ و١٨.٥٪ فى السنتين الثانية والثالثة، وهذا يعنى أن خفض الفائدة لن يؤثر على المدخرين فى القطاع المصرفى، وبالتالى الحفاظ على القوة الشرائية للمودعين، وتنشيط الأسواق.
ورأى طارق حلمى، الخبير المصرفى، أن القرار كان متوقعًا بسبب تراجع معدلات التضخم المحلى، واتجاه الفيدرالى الأمريكى والبنك الأوروبى إلى سياسة التيسير النقدى بخفض أسعار الفائدة، معتبرًا أن هذه خطوة تعكس مزيدًا من مرونة الاقتصاد المصرى، والثقة فى مسار تراجع الضغوط التضخمية، والتقدم فى استعادة التوازن النقدى، دون الإخلال بالهدف الأساسى المتمثل فى تحقيق استقرار الأسعار. وأضاف «حلمى»: «القرار يحمل رسالة مزدوجة، الأولى للأسواق بأن السياسة النقدية بدأت الانتقال التدريجى من مرحلة التشديد الحاد إلى إدارة أكثر مرونة للدورة الاقتصادية، والثانية للقطاع الحقيقى عبر تخفيف تكلفة التمويل، ما يدعم الاستثمار والإنتاج ويعزز قدرة القطاع الخاص على التوسع وخلق فرص العمل».
وواصل: «الخفض يعكس إدراكًا لأهمية التنسيق بين السياسات النقدية والمالية، والتوجه نحو خفض أعباء الدين، حيث إن كل خفض بنسبة ١٪ يقلل من أعباء خدمة الدين بحوالى ١١٠ مليارات جنيه من حجم الدين المحلى البالغ ١١ تريليون جنيه، خاصة فى ظل تحسن مؤشرات النقد الأجنبى، واستقرار سوق الصرف، ما يتيح مساحة محسوبة لدعم النمو دون إعادة ارتفاع الضغوط التضخمية».
واعتبر أن نجاح القرار مرتبط باستمرار الانضباط المالى، وتعزيز جانب العرض، ومواصلة الإصلاحات الهيكلية، لضمان أن يتحول خفض الفائدة من إجراء نقدى إلى أثر اقتصادى حقيقى ومستدام يشعر به المواطن والقطاع الإنتاجى، على حد سواء.
جريدة المنطقة العربية رؤية فريدة وتفاصيل حصرية
