قمة شرم الشيخ للسلام 2025م
قراءة في عولمة الدور الإستراتيجي المصري

بقلم/ فتحي العفيفي
كلية الدراسات الآسيوية – جامعة الزقازيق
———————————————-
منذ قمة العرب في بغداد منتصف مايو ٢٠٢٥م، والرئيس عبد الفتاح السيسي يبحث عن حلول للأزمة الفلسطينية العارمة، قمة عقدت من أجل مقاومة مشروع التهجير للفلسطينيين خارج قطاع غزه، ولم يحضرها سوى أربع زعماء فقط، وإضطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير دولة قطر لمغادرة القمة، لخطأ بروتوكلي منح بعض وزراء الخارجية الفرصة، لإلقاء كلماتهم قبل كلمة سمو الأمير تميم، بعدها حدث ماحدث من تداعي الأحداث على وقع نظرية الدومينو، الهجوم الإسرائيلي على دولة قطر بهدف إغتيال قادة حماس، وفزعة الدول العربية والإسلامية للوقوف بجانب قطر في قمة عربية إسلامية تختلف تمامًا عن قمة بغداد، وحوارات على هامش مؤتمر الجمعية العامة للأمم المتحدة، ثم قمة أمريكية عربية إسلامية مصغرة، أفرزت كل هذه الجهود ما أطلق عليه خطة ترامب للسلام في الشرق الأوسط، التي لقيت زخمًا إعلاميًا كبيرًا، وضغط غير مسبوق من الرئيس الأمريكي، في محاولة للحاق بجائزة نوبل للسلام، إلا أن الإعلان عن فوز المعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو، لم يثنِ الرئيس الأمريكي عن عزمه في المُضي قدمًا فيما قرره، وربما قد تلقى نُصحًا من مستشاريه بأن إستكمال طريق السلام في غزه يؤهله بقوة لفرصة الجائزة عام ٢٠٢٦م.
بحث ترامب من حوله، فلم يجد بلدًا مؤهل أهله وحكومته لأن يعهد إليهما بوديعته للسلام سوى مصر، من هنا يثور السؤال المنهجي:
لماذا مصر هي المؤهلة دون غيرها لإنفاذ وديعة ترامب للسلام؟؟
- مصر هي الموقع الجغرافي المتميز الأمثل، بوصفها الحاضنة لقطاع غزه، والمجاورة لإسرائيل، اللوجيستكس وعبقرية المكان، هو ما يمنح مصر الأفضلية المكانية.
- الأفضلية السياسية: مصر هي نظام الحكم المتوازن، الذي لا يغامر بعنتريات وجودية، كما يفعل غيرها، فالرئيس السيسي المحمل بخبرات عبد الناصر، والسادات، ومبارك قارئ جيد للتاريخ، ويعرف أن مصر لا تحتاج إلى إثبات ما هو مثبت أصلًا، حيث الفاعلية ومركز التأثير في الشرق الأوسط بصفة عامة، والنظام السياسي العربي بصفة خاصة.
- مصر هي التي لها خبرات عميقة بالتعامل مع طرفي النزاع والدولة الراعية للإتفاق، سواء على صعيد توقيع إتفاقية كامب ديفيد عام ١٩٧٩م للسلام مع إسرائيل برعاية أمريكية، أو من حيث خبرات التعامل مع حركة حماس، ذات الأيديولوجية الإخوانية، التي خبرها الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية طويلًا، ولم يتخذ منهم موقفًا عقابيًا، إزاء حملاتهم السيبرانية الممتدة منذ عقود على الدولة المصرية.
- القوة الذكية بتعبير زيجمونت باومان، التي تجمع بين القوة الناعمة والصلبة، التي تمتعت بها مصر في إدارة هذا الملف الدقيق، منذ أن تحفظ الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية على زيارة الولايات المتحدة الأمريكية لأكثر من مرتين، ورفض مشروع التهجير بالأدبيات السياسية، والقوة العسكرية على الحدود، التي قذفت الرعب في قلوب الإسرائيليين ونخبهم، عندما سئل أحدهم عن أخطر الدول على إسرائيل في الوقت الحالي، فأجاب دون تردد : إنها مصر، التي ما إن تفتح حدودها لشعبها، لن تأخذ معها إسرائيل سوى بضع دقائق معدودات، وإلا أن يكون قد تم القضاء على إسرائيل قضاءًا مبرمًا، فالإنفجار الديمغرافي له حساباته في نظرية القوة الشاملة.
- المصداقية وإحترام القانون الدولي: عراقة الدبلوماسية المصرية، وتميز نخبها السياسية، والقانونية، تمنح مصر فاعلية ومصداقية غير مناظرة، ولا تضاهيها في ذلك دولة أخرى، فإن مصر تحترم القانون الدولي، إذ برغم فعل التأمر في ملف الأمن المائي المصري، وإستخدام أثيوبيا لإلحاق الضرر بها، عن طريق بناء سد النهضة، والصبر الإستراتيجي طويل الأماد، فقد غلبت مصر منطق إحترام الإتفاقيات الدولية، حتى نفد صبرها، وقررت مع قدوم ترامب إلى مصر، إتخاذ كافة التدابير في هذا الملف، والشئ ذاته في إتفاق السلام مع إسرائيل، لم تنفعل قياداتها يومًا تجاه كل التخوفات الإعلامية، والحرب النفسية التي كان سؤالها الأبرز: من التالي؟ وأن الدور على مصر، في كلام غير مسؤول، لا يدرك حقيقة مصر ولا قوتها، وعراقة جيشها الأهم في منطقة الشرق الأوسط، والذي له تصنيف متقدم على مستوى العالم.

كل هذه المؤهلات وغيرها، حسمت الخيار الإستراتيجي، لأن تكون مدينة شرم الشيخ المصرية، هي المكان التاريخي للملتقى الدولي للسلام ٢٠٢٥م، لحل أعقد نزاع شهدته المنطقة منذ الحرب العالمية الثانية.
- من ملامح القوة المصرية في هذا الملتقى العالمي الكبير، جهوزية مصر على صعيد التقانة، والبنية التكنولوجية، والمدينة المعولمة التي تتمتع بأعلى وأدق التجهيزات الإليكترونية، والقوة البشرية المعدة إعداد مميزًا، وقوة الجيش والشرطة في توفير بيئة أمنية بأعلى درجات الدقة، والبلد المضياف في إستضافة وفود أكثر من عشرون دولة في يوم واحد، وما يتطلبه ذلك من استنفار همم وعزائم الرجال في جميع أجهزة الدولة، وقدرة مؤسسة الرئاسة، والخارجية، والقوات المسلحة على متابعة، ومعاونة الرئيس في كل صغيرة وكبيرة تتعلق بالزعماء، والقادة، والرؤساء.
- أثنى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على جهود مصر، وفخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية، ودوره الكبير في المفاوضات، وإنجاح خطته للسلام، وأن قوة الرئيس المصري كقائد كبير قادر على ضبط الأمور في بلاده، ومنع إنتشار الجريمة، وإقناع حركة حماس بقبول السلام كخيار عالمي، وأن تستثمر هذه السانحة التاريخية، التي قد لا يجود الزمان بمثلها، لإنقاذ أرض غزه، وشعب غزه، بل ومستقبل قيادات حماس أنفسهم، الذين كانوا على مرمى حجر من الاغتيال في الدوحة.
- منحت مصر الرئيس الأمريكي قلادة النيل كأرفع، الأوسمة المصرية التي تمنح لرؤساء الدول، والذين يقدمون خدمات جليلة للإنسانية، كما أن حقن الدماء على النحو الذي حرص عليه الرئيس السيسي، إنما يأتي كمحاولة جادة ومخلصة، لإنفاذ تعاليم حديث الرسول صلى الله عليه وسلم حيث قال: (لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم…)، الذي رواه عبد الله بن عمر، وصححه الألباني.
- الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية قد عبر عن عراقة مصر، والشخصية المصرية في أصالتها وحضارتها، ورقيها الإنساني الكبير، وقدر ظروف كل من لم يشاركوا في هذا الاحتفال العالمي الكبير بحلول السلام، وأن لكل حساباته التي سيحكم عليها التاريخ، وأن مطالعة الفرحة العارمة في لقاء المفرج عنهم من الأسر الإسرائيلي عند لقاءهم بأهلهم، وذويهم، لحظة تهون عندها الدنيا وما فيها، أب يحملق في أولاده، وقد تركهم في المهد، بالكاد يستجمع ملامحهم فينهمر بالبكاء الممزوج بالفرح العارم، وأخر كان يظن أن أهله وذويه، كانوا في عداد الشهداء، فإذا بالأقدار تفاجئه بوجودهم على قيد الحياة، عائدون من الموت في السجون، لايرون إلا ما فعله الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية بهم وإنقاذ مستقبلهم، كيف لا يكون السلام إذً إختيار إنساني عالمي؟!
- الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية شرف بلادنا مصر، بفهمه العميق لعقلية الغرب، وكرجل مخابرات يعرف جيدًا ما يحدثه مرافقة الطائرات الحربية، لطائرة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من تأثير إيجابي في نفسيته (تعبيرًا عن الحفاوة والتأمين في آن معًا)، فقد أعلن ترامب أنه سعيد لهذا الإجراء المقدر، الذي ينم عن السعادة لكونه في بلد عظيم، ورئيس قوي يدرك أهمية الإبهار في إستقبال رؤساء دول على مستوى أكبر دولة في العالم.
- عشرون دولة وأكثر من رؤساء دول، وملوك، وممثلي وفود تجمعوا جميعًا في شرم الشيخ، للمساهمة في هذا الحدث الكبير، وهذا فضلًا عن أنه حدث سياسي كبير، إلا أنه عملًا من أعمال الترويج السياحي لدولة عظمى في حجم مصر، تتعرض لحملات مغرضة، وحروب سيبرانية من جماعات التطرف، والعنف، والإرهاب، فضلًا عن بعض الذباب الإليكتروني من بعض الدول الحاقدة على الدور المصري، والذين يهرفون بما لايعرفون، ووحدها مصر وقفت تنافح عن الحق الفلسطيني في كل الظروف والأحوال.
قمة شرم الشيخ للسلام أنهت عمليًا محور الميليشيات، وأصبحت الكلمة الأولى والأخيرة للزعماء، والقادة، والرؤساء، والدول، لم يعد هناك من حديث عن فاعل مسلح من غير الدول، ولا فاعل مواز يتم التفاوض معه مثل الدول،الفاعل فاعل دولي معترف به دوليًا، دولة قانونية بحكومة وطنية، وشعب، وأرض ذات حدود محددة، سقط ما كان يسمى زورًا وبهتانًا محور الممانعة الممتد من حماس إلى حزب الله، ثم سوريا، وإيران، ضعف هذا الموازييك السياسي هو ما جعل حماس لاتتغطرس، وهي في مهب الرياح، وقادتها ملاحقون في كل بقاع الأرض، وقد حذر الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية الجانبين من عدم إستثمار الفرصة التاريخية هذه، ورئيس الحكومة القطرية الشيخ محمد بن عبد الرحمن أعلن أن القضايا الصعبة تم تأجيلها، لعدم جاهزية الأطراف بحلول لها، وسينفتح التحليل السياسي على سؤال: لماذا لم تشارك السعودية والإمارات بوفود على مستوي القيادة العليا؟ وستلوح إجتهادات بعضها يذهب إلى الخلاف الأيديولوجي العميق بين البلدين وحركة حماس، وأن الإمارات كانت تريد إتفاقًا مكتملًا، يضع حدًا للحركة ذات العبئ الإستراتيجي الكبير على القضية الفلسطينية برمتها، أما في الشأن السعودي، فإن التحليل يحتاج إلى جراحة سياسية عميقة، لسبر أغوار هذا الموقف استقراءًا من ردود أفعال نخب المملكة، والذين هم على علاقة مباشرة بصناعة القرار في هذا البلد العربي الكبير.
تحاول المملكة كغيرها من الدول الكبرى بناء مجال جيو- إستراتيجي في المحيط الحيوي، ومنذ العام 2017م والجدل لم ينتهي بين النخبة هناك عن كيفية صنع مجال جيو- سياسي، يتجاوز الفضاء الجزروي/ الخليجي، فتصطدم الفكرة والمحاولة تارة بالعراق قبل العام ٢٠٠٣م، وأخرى بتركيا بعد العام ٢٠١٥م، وحتى إغتيال الصحافي السعودي جمال خاشقجي في 2 أكتوبر 2018م، وأحيانًا بالدور المصري بعد العام ٢٠١٧م، وبعيدًا عن جدل تيران وصنافير الجغرافي التاريخي، القانوني، وتعقيدات الترتيبات الأمنية هناك، بدا أن القمة العربية في بغداد ١٧ مايو ٢٠٢٥م، التي تبنت فيها الدول التي ذهب قادتها وعلى رأسهم الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية خيار رفض مشروع التهجير، كان أن ذهبت السعودية منفردة مع فرنسا لتعقد مؤتمر حل الدولتين، والتحضير له منذ ٢٧ يوليو ٢٠٢٥م، وفي قمة الدوحة العربية الإسلامية في ١٥ سبتمبر ٢٠٢٥م، حرصت السعودية على عقد قمة لمجلس التعاون الخليجي منفردة، لتؤكد على فضائها الإستراتيجي، ثم كان ما كان من الإتفاق الدفاعي بين المملكة وباكستان، ثم تطورت الأحداث لتستضيف القاهرة مباحثات تنفيذ خطة ترامب للسلام، ووقف الحرب الإسرائيلية على قطاع غزه، كهدف إنساني عالمي يستحق التضحية، بحسب ما رأه الرئيس عبد الفتاح السيسي، ونجحت الدبلوماسية المصرية في أن تستثمر في الحدث، لتبرز مهاراتها، وقواها الحية، وإمكاناتها اللوجيستية الفائقة القدرة، والتقانة، ماجعل من فكرة وجهود حل الدولتين، التي هي فكرة سعودية – فرنسية تتراجع في الزخم والفاعلية، على صعيد الإهتمام والمتابعة الإعلامية، وبالتالي يأتي تمثيل المملكة في قمة شرم الشيخ للسلام ٢٠٢٥م، على مستوى وزير الخارجية، وليس ولي العهد ذو دلالة واضحة على أن محاولات إعادة التموضع خارج السياق الجزروي تبدو عملية تشكل هاجسًا مهمًا في المملكة، وهي في واقع الأمر، لم تكن كذلك من قبل، فكثيرًا ما تبنت مصر مقترح الأمير (الملك السابق) عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود للسلام في الشرق الأوسط، وكان في العام 2002م أثناء مؤتمر قمة بيروت العربية، حيث كان وليًا للعهد حينئذ، ولم تجد مصر أن في هذا التأييد ما يقلل من مكانتها الكبرى في النظام السياسي العربي، بل على العكس من ذلك يعطيها المزيد من الزخم والفاعلية، وأن تمثيل الرياض بهذا المستوى يعكس حالة عدم الرضا العام، عن بعض بنود إتفاق شرم الشيخ 2025م. دون الدخول في تفاصيل هذه الحالة وتعقيداتها، إلا أن تكون في أقل تقدير تأكيد جديد على سياسة ومحاولة صنع النموذج..!!!!
قمة شرم الشيخ للسلام 2025م، ربما تكون قد أنهت حربًا، لكن صنع السلام لازال أمامه طريق شاق، وصعب، فقد عاودت ترامب هستيريا التهديد، إذ يقول: “بكلمة مني، قد تعود إسرائيل إلى حربها ضد حماس، إذا لم تسلم سلاحها”، وسواءً صمد إتفاق وقف إطلاق النار، ووقف الحرب، أم تم تخريبه من أي من المتنازعين إسرائيل أو حماس، فالضمانة الأمريكية على المحك دائمًا في رعاية هذا السلام المأزوم بتعدد المراحل، فيما الدور المصري قد قام بما أكثر مما هو مطلوب منه، وقام الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية بجهد مشرف يليق بعظمة مصر.
جريدة المنطقة العربية رؤية فريدة وتفاصيل حصرية
