كتب: يوسف حسين
من مدينة السلام، شرم الشيخ، عاد العالم من جديد ليراهن على الدبلوماسية المصرية كجسرٍ للتهدئة وإعادة التوازن في منطقة أنهكتها الصراعات.
فبينما تتصاعد ألسنة اللهب في غزة وتشتد آلة الحرب الإسرائيلية التي حوّلت المدينة إلى أنقاض وأزهقت آلاف الأرواح من المدنيين الأبرياء، تتكثف الجهود الإقليمية والدولية لوقف نزيف الدم ووضع حدٍّ لمعاناةٍ إنسانية باتت تهزّ ضمير العالم.
وفي ظل تعقّد المشهد وتداخل مصالح القوى الكبرى، جاءت قمة شرم الشيخ للسلام لتعيد الأمل بإمكانية إحياء مسار التهدئة، وسط حضور دولي وعربي واسع يعكس الثقة في الدور المصري كوسيطٍ متوازن يسعى لفتح “باب السلام” من جديد، عبر جهود حثيثة لتقريب وجهات النظر بين الأطراف المتصارعة، وتثبيت وقف إطلاق النار، وتأمين المساعدات الإنسانية للقطاع المنكوب.
وتأتي القمة بدعوة من جانب مصر والولايات المتحدة، التي تسعى إلى إطلاق المرحلة التالية من خطتها للسلام، بما يشمل التوصل لاتفاق نهائي لوقف إطلاق النار، ووضع ترتيبات ما بعد الحرب في القطاع، لا سيما ما يتعلق بالحكم والأمن وإعادة الإعمار.
الدول والمسؤولين المشاركين في قمة شرم الشيخ للسلام
عبد الفتاح السيسي – رئيس جمهورية مصر (المضيف الرئيسي للقمة) – رئيس أمريكا – رئيس وزراء اليونان – ملك الأردن – رئيس وزراء أرمينيا – أمير قطر – رئيس وزراء المجر – أمير الكويت – رئيس وزراء باكستان – ملك البحرين – رئيس وزراء كندا – رئيس فلسطين – رئيس وزراء النرويج – رئيس تركيا – رئيس وزراء العراق – رئيس إندونيسيا – رئيس اذربيجان – نائب رئيس دولة الإمارات – رئيس فرنسا – وزير خارجية سلطنة عمان – رئيس قبرص – سكرتير عام الأمم المتحدة – المستشار الألماني – أمين عام جامعة الدول العربية – رئيس وزراء بريطانيا – رئيس المجلس الأوروبي – رئيسة وزراء إيطاليا – وزير الدولة للشئون الخارجية للهند – رئيس وزراء إسبانيا – سفير اليابان بالقاهرة – رئيس الفيفا – وزير الخارجية السعودي, وفقا للرئاسة المصرية.
ووقّعت كلّ من مصر وقطر وتركيا إلى جانب الولايات المتحدة وثيقة الرئيس الأمريكي لوقف إطلاق النار في قطاع غزة. جاء ذلك خلال قمّة عُقدت في مدينة شرم الشيخ المصرية بمشاركة قادة إقليميين ودوليين، في خطوة وصفها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنها “يوم عظيم للشرق الأوسط“.

وقال ترامب، فور وصوله إلى شرم الشيخ لحضور القمة التي حملت عنوان قمة السلام حول غزة، إن “المرحلة الثانية من المحادثات بدأت بالفعل“، مشيراً إلى أن الجهود المقبلة ستركّز على إعادة الإعمار ونزع سلاح الفصائل داخل القطاع.
وأضاف الرئيس الأمريكي أن الحرب في غزة “انتهت” وأن وقف إطلاق النار “سيصمد“، مؤكداً أن اتفاق غزة يُعدّ “انتصاراً مذهلاً لإسرائيل والعالم“، على حدّ تعبيره.
ومن جانبه، وصف الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الاتفاق بأنه “يفتح حقبة جديدة من السلام والاستقرار في الشرق الأوسط“، معتبراً أن اللحظة “تاريخية” وأن الاتفاق “ينهي صفحة أليمة من تاريخ البشرية“.
وقال السيسي في كلمته أمام القمة إن “السلام يظل خيارنا الاستراتيجي، وهو خيار لا يمكن أن يتأسّس إلا على العدل والمساواة“، معلناً أن مصر ستستضيف قمة إعادة إعمار غزة في وقت لاحق، مشيراً إلى أن بلاده ستواصل التنسيق مع الأطراف كافة لضمان تنفيذ بنود الاتفاق.
وبحسب ما أُعلن خلال القمة، يتضمن الاتفاق تبادل الرهائن والسجناء بين إسرائيل وحركة حماس، إلى جانب انسحاب جزئي للقوات الإسرائيلية من غزة، تمهيداً لبدء مرحلة انتقالية تُشرف عليها هيئة دولية أُطلق عليها اسم “مجلس السلام الخاص بغزة“.
وأعلن ترامب رغبته في انضمام السيسي إلى المجلس، قائلاً خلال مؤتمر صحفي مشترك: “سأكون هناك“، في إشارة إلى التزام القاهرة بالمشاركة في إدارة المرحلة الانتقالية.
وصرّح وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، بأن هذا اليوم يُعد “من أهم الأيام في مسيرة السلام العالمي خلال العقود الخمسة الماضية“، فيما أشار مبعوث الرئيس الأمريكي إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف إلى وجود “قائمة طويلة من المتقدمين” للانضمام إلى المجلس.
لقاء ترامب والسيسي
وشهدت القمة اجتماعاً بين ترامب والسيسي، حضرته وسائل الإعلام في بدايته. ووصف ترامب نظيره المصري بأنه “رجل قوي للغاية“، مضيفاً: “لا توجد جريمة لديهم، إنه يوقفها قبل أن تبدأ“، في تصريحات أثارت انتقادات في الولايات المتحدة على خلفية سجل مصر الحقوقي.
وأشاد ترامب بالدور المصري في إنجاح اتفاق غزة، قائلاً إن القاهرة “قامت بعمل رائع“، مؤكداً أن المرحلة المقبلة ستشهد عمليات رفع الأنقاض وإعادة التنظيم في غزة كخطوة أولى نحو إعادة الإعمار طبقا ل BBC.
وهكذا، تُجسّد هذه القمة لحظة فارقة تُعبّر عن عودة مصر إلى موقعها الطبيعي كقوة إقليمية ودولية فاعلة، قادرة على جمع المتناقضات وصياغة مساحات مشتركة للحوار. ففي وقتٍ تتزايد فيه الأزمات والنزاعات، تثبت القاهرة أنها ما زالت حجر الزاوية في معادلة الأمن الإقليمي، وأن صوتها لا يزال الأكثر اتزانًا وتأثيرًا في السعي نحو السلام.
لقد تجاوزت مصر دور الوسيط إلى دور القائد، مُجدِّدة حضورها كمنصةٍ تُبنى فيها المواقف وتُصاغ منها القرارات، لتبعث من جديد رسالةً واضحة إلى العالم: أن القاهرة كانت وستبقى القلب النابض للعروبة، والعقل الذي يسعى لإرساء سلامٍ عادل وشامل يعيد للمنطقة توازنها واستقرارها.
جريدة المنطقة العربية رؤية فريدة وتفاصيل حصرية
