مخرجـــــــــــــــات منتــــــــــــــــدى مصــــــــــــر ٢٠٢٦م
الشــــــــــــواغل المصـــــــــــــرية في القــــــــارة الآســــــــيوية
وقفة واجبة مع السعودية لإنقاذ مستقبل العرب الإستراتيجي
بقلم: فتحي العفيفي
كلية الدراسات الآسيوية – جامعة الزقازيق
لقد جاء هذا المنتدى وسط حدثين مهمين بالغي الدلالة قد ألقيا بظلالهما على أحداث المنتدى وهما:
الأول: إعلان فخامة الرئيس عبدالفتاح السيسي عن نيته لأن يكون العام 2030م هو نهاية فترة حكمه للبلاد.
الثاني: دعوة فخامة الرئيس لكل من مجلس الدفاع الوطني ومجلس النواب؛ للإنعقاد للحصول على التفويض اللازم، والموافقة على الدعم الدفاعي، الذي يمكن أن تقدمه مصر للمملكة العربية السعودية.

أولًا- منتــــــــــــدى مصـــــــــــــر ٢٠٢٦م:
التقــــــــريــــــــــــر الإســـــــــــتراتيجي الآســـــــــــــيوي:
قبل حوالي عام من الأن أطلقنا: (التقرير الإستراتيجي الآسيوي ٢٠٢٥م)، وقد أهدينا نسخته الأولى إلى:
فخامــــــــــة الرئيـــــــــــس عبد الفتــــــــــاح السيسي، رئيــــــــــس الجمهـــــــــــــوريــــــــــة، تحـــــــت شـــــــــــــــــــــــــعار، قصـــــــــة إنقـــــــــاذ وبنــــــــــاء الــــــــــــوطن…
وكان من حسن الطالع أن تأتي الترجمة الفعلية والعملية لهذا الشعار بعد عام في دعوة فخامة الرئيس لعقد مؤتمر، ومنتدى عام لعرض إنجازات الأعوام الماضية من ناحية، ومن ناحية أخرى وضع الرؤى والتصورات المستقبلية لتوجهات الدولة (مناقشة التحديات والفرص) ومن باب تكليف الجامعات لأن تكون في مقدمة القطاعات الحيوية المعنية بحالة النقاش هذه يمكن طرح أجندة سياسية للعمل الذي إنتظره الجميع من: ( مخرجات منتــــــــــــدى مصـــــــــــر ٢٠٢٦م) على النحو التالي:
- المحـــــــــور الإبيستمولـــــــــــوجي: وهو ذلك المتعلق بالمعرفة، وحالة الوعي العام، على شتى أنواعها في عصر المعلومات الحائر ما بين الذكاء الإصطناعي، والذكاء الفائق، والمعرفة لا تتعلق بالثورة التكنولوجية فحسب، وإنما تلك المعرفة التي رسختها دولة ٣٠ يونيو عن نفسها من نهضوية وتنمية، والأيديولوجيات التي حكمت الأداء، في ظل عالم تتصارع فيه الأفكار، والقيم، والمعتقدات، وفي الجوهر من هذا التأسيس المعرفي تأتي حالة الخطاب الديني المعاصر، وجهود محاولات تجديده، وإنسداد الأفق بين المؤسسة الرسمية وهو الأزهر الشريف الذي يتماهى مع محاولات التجديد، ولكن في ثبات ومحافظة واضحة لا تعطي أية انطباع برغبة التجديد هذه .
من الإبيستمولوجي الذي تسعى الناس لمعرفته هوية الحكم على مدى السنوات الماضية وقد عبر عنها الكتاب الصادر مع مطلع العام ٢٠٢٦م بعنوان: (الإتزان الإستراتيجي… سياسة مصر الخارجية) والموسوم ﺑ (الكتاب الأبيض)، حيث حالة الصبر على التوترات في الإقليم، وما تتعرض له مصر من محاولات إنزلاقها في حروب، ومع ذلك كانت القيادة السياسية تفضل الحلول الدبلوماسية، والحوار، وإعلاء قيم القانون الدولي.
لقد أعطى المنتدى البعد الإبيستمولوجي فرصة إستثنائية؛ لمحاولة تصحيح المفاهيم والأفكار المغلوطة؛ وإعادة تشكيل وعي وطني جديد مقاوم عن ضرورة المعرفة الحقة بطبيعة التطورات، والإنجازات التي قامت بها مؤسسات الدولة.
- المحــــــــــور الأيـــــــــديـــــــولــــــــوجي: في أروقة هذا المحور تمت مناقشة كافة الأفكار ، والقيم، والمعتقدات في دولة كانت ولا زالت مملوءة بالتيارات، سواء فيما تعلق بالخط الأيديولوجي العام بأن مصر دولة تأخذ بكل أسباب التقدم، من حيث التطور الرأسمالي، والعولمة، وآليات السوق، والتنافسية، وتشجيع النيوليبرالية الجديدة، وفق ضوابط تسمح بتدخل الدولة لحفظ التوازن، والحقوق، ومنع العولمة الجشعة من أن تأخذ طريقها إلى جوهر المجتمع، ومقدراته.
في المحور الأيديولوجي أيضًا تم التعرف على أفكار الأحزاب، والمجتمع المدني، ورأي النخب العلمية المقدرة في تطوير أساليب الدولة في التعامل مع تحديات المستقبل، فالأيديولجيا “بنك أفكار”، وحالة وعي عام يراد إستنهاضه من قبل الدولة للمشاركة في صنع المستقبل.
- المحور الأيكولوجي: ويقصد به حالة البيئة الداخلية والإقليمية للدولة، من حيث البيئة الداخلية كانت هناك ملفات كالصحة، والتعليم، والبنية التحتية تحديات ماثلة في ضوء ما تم رصده من ردود أفعال الجماهير، وما أثير عبر وسائل التواصل الإجتماعي من إستيعاب الدولة لملايين المهاجرين العرب من بلدانهم تحت وطأة الحروب والأزمات، التي تعانيها بلدانهم، ما أثر على البنية التحتية، فيما يبدو خبراء التعليم مدعوون لمراجعة سياسات التعليم، والتوسع في التعليم الخاص، وما رشح من أضرار هذا التوسع في القطاع الطبي على سبيل المثال، فضلًا عن تصحيح المسار في الجامعات الحكومية، والأهلية، والحدود الفاصلة التي تستدعي جودة أفضل لتحوز الجامعات مكانة متقدمة في التصنيفات العالمية، لقد بدا المؤتمر مهتمًا أكثر من ذي قبل بملفي الصحة والتعليم، وقد أبان الإستبيان وإستطلاعات الرأي عن حرص واسع من طوائف الشعب لتحمل كل شئ إلا من هذين الملفين، حرصًا يعكس وعيًا متقدمًا بأهمية الإنجاز، والتقدم، والتطور في الصحة والتعليم.
- المحور التكنولوجي: هنا تجلت قيم العصر على صعيد دور التطور في إحداث نقلة نوعية في البلاد من حيث الرقمنة، والتقانة والبنية التكنولوجية، والميكنة، والعقل الذكي، إتجاه يسمح بتغيير ملامح الإقتصاد التقليدي، والتعامل مع السوق، والمعمار المالي العالمي: صندوق النقد الدولي- والبنك الدولي- ومنظمة التجارة العالمية) بآليات السوق في العصر الرقمي، فضلًا عن الربط الذكي بين كل مؤسسات الدولة، ولعل حالة المراجعة هذه وتصحيح المسار هي ما دعت فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية إلى دعوة البرلمان للإنعقاد، ومناقشة تأجيل قانون الإجراءات الجنائية لمدة عام؛ من أجل تهيئة البيئة الرقمية لتكون أكثر فاعلية، ورفع حالة الجهوزية لأعلى درجاتها لتسهم في إنجاح هذا التحول الكبير، كما ركز المنتدى على ضرورة التصدي لكل وسائل تزييف الوعي، والحروب السيبرانية، وبخاصة الوعي بالمخططات التي تستهدف إسقاط الأوطان عبر وسائل التواصل الإجتماعي، التي لا تقل خطورة عن جماعات التطرف والإرهاب.
- المحور السوسيولجي: حيث حالة المجتمع والتوعوية المطلوبة في ظل تأثيرات العولمة، وتأكل الطبقة الوسطى، التي كان عليها عبئ التهدئة والتعايش بين طبقة الأغنياء الذين يزدادون غنا، وطبقة الفقراء الذين يبحثون عن حلول لمشكلاتهم اليومية، وبغير طبقات المجتمع، مراجعة هويات شرائح الناس الذين يطلون علينا عبر وسائل التواصل الإجتماعي، فنجد في هذا الإنفجار الكثير من المعلومات المغلوطة من راغبي إثارة الفتن، وتحريض المجتمع، والكثير منهم من ذوي الإنتماءات للجماعات الإرهابية المتطرفة، ولذلك كثيرًا ما حذر الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية من هذه الموجات التي لا تقل خطورة عن التحديات الخارجية، تيارات خارجية أيضًا تحارب التماسك الداخلي والإصطفاف خلف الدولة ومؤسساتها، “حافظوا على بلدكم” كانت هذه مقولة الرئيس في كل جلسات المؤتمر، وغيره من اللقاءات.
- المحور البيولوجي: الدولة كائن حي ينمو ويتطور… وإنجازات الدولة هي جوهر هذا التطور… وقياس الفاعلية يتطلب إستيعاب كل التحديات المتعاقبة والتي نجليها في النقاط التالية :
- الحرب على الإرهاب: والتي أخذت من جهود الدولة أكثر من خمس سنوات، وحتى صدور قانون مكافحة الإرهاب عام ٢٠١٥م.
- أزمة كورونا: التي ضربت إقتصاديات العالم في الصميم، حيث تعطلت سلاسل الإمداد، ولم يعد العمل في القطاعات المختلفة بكامل طاقاته، وحتى بعد إنتهاء الأزمة تغيرت أنماط التشغيل في شتى الهيئات والوظائف.
- الحرب الروسية الأوكرانية: التي أثرت على إقتصاديات القمح في العديد من دول العالم وبضمنها مصر، ولازالت مستمرة.
- الحرب على غزه: والتي تضررت بفعلها عوائد قناة السويس، فضلًا عن الدور الإنساني في إسناد شعب غزه، والجهود التي قامت بها الدولة لمنع مخطط التهجير، كان له تأثيره السلبي على التعاون الدولي في مجال الإستثمار.
- الحرب الإسرائيلية الأمريكية: على إيران فبراير ٢٠٢٦م، ثم الحرب الإيرانية على دول مجلس التعاون الخليجي.
- التهديد الحوثي في البحر الأحمر وباب المندب: وجدل الموقف المصري والتعويل عليه، جاء المنتدى متزامنًا مع تخلي مصر عن حذرها.
- تحديات سد النهضة الأثيوبي: وغاز شرق المتوسط، وتهديدات الحدود مع السودان، وليبيا، وتحدي صعود الإسلاميين إلى السلطة في سوريا، كلها فواعل وشواغل مصرية ناقشها المنتدى في العديد من جلساته.
- حالة الإستثمار مع السعودية وقطر والإمارات: التي تتأثر صعودًا وهبوطًا بالمتغيرات الإقليمية، وعما إذا كانت مصر مستعدة للوقوف عسكريًا مع هذه الدول أم لا، كلها موضوعات جعلت صانع القرار المصري في موقف صعب للغاية.
كلها شواغل وملفات تمثل تحديات بحثت عن حلول وإستشراف مستقبلها في منتدى مصر ٢٠٢٦م، ما ساعد في الوصول إلى مخرجات موضوعية بأن الدولة رغمًا عن الإنجازات التي قال عنها الرئيس “ما كانت لتحدث في 30 عامًا”، إلا أن الزيادة السكانية كانت تلتهم كل عوائد التنمية.
ثانيًا- وقفة واجبة مع السعودية لإنقاذ مستقبل العرب الإستراتيجي:
تعقيدات الفوضى الخلاقة في الشرق الأوسط:
في صبيحة كل جمعة نتبادل رسائل التهنئة بهذا اليوم المبارك مع سمو الأمير عبد العزيز آل سعود، الأمير المثقف المدرك لقضايا قوميته العربية والمهموم بالأمن الوطني السعودي وشواغله، وكثيرًا ما تفضل علينا ببعض الفيديوهات التي ينتقيها، وتعكس رؤيته في الأحداث، وقد عنون صفحته عبر خاصية الواتس آب ببيت الشعر المهم:
| الحَقُّ يُرْجِعُهُ سَــيْفٌ وَرَشّــاش | وَفَارِسٌ ضَارِبٌ في الحَرْبِ جَيَّاشُ |
| فَاسْتَوْحِ مِنْ كُتُبِ التَّارِيْخِ عِـبْرَتَها | هَلْ أَرْجَعَ الحَقَّ خَوَّافٌ وَرَعَّاشُ؟ |
… من قصيدة أرضُ النّبيّين للشاعر الأردني ( أيمن العتوم )
وفي البيان ما يغني عن المعنى، حيث عكست هذه الأبيات التي جعلها نبراسًا له، ودالة على رؤيته للواقع العربي، قلقًا كبيرًا على مستقبل الأمة، ولعل سموه قد أراد ترجمة هذا الإحساس الوطني الغامر بأن جعل أبناؤه امتدادًا لمعتقداته الوطنية، بأن جعل من دراساتهما العليا بكلية الدراسات الآسيوية العليا بجامعة الزقازيق لكل من الأمير سعد، والأمير سعود قيمة مضافة بالدفاع بالفكر والبحث العلمي الرصين عن ثوابت المملكة، وحدودها، ورؤية المملكة 2030م، حيث تخصصا في دراسات سياسية وقانونية لمكافحة الإرهاب والتطرف، وتعظيم قيم المواطنة والهوية الإسلامية، ولعل الجهد العلمي الذي يقوم به سمو الأمير وأبناؤه يسهم بقدر في معالجة التحديات التي تمر بها المملكة من هجمات إرهابية حوثية على المطارات والحدود السعودية.
تعيش الدول العربية حالة من التيه السياسي غير المسبوقة، ومنذ ١١ سبتمبر ٢٠٢٦م والحوثيين يقومون بإعتداءات غير مبررة عند باب المندب؛ لإنقاذ إيران من الحصار الأمريكي عند مضيق هرمز ، وفي الوقت نفسه علا صوت الخطاب الحوثي في عداء مباشر ضد المملكة العربية السعودية، فيما قوات العماليق ودعم الشرعيه قد قامت بمحاولة إعادة إنتشار في المخا، وتعز، وميون وغيرها، وتشير التحليلات إلى أن ما قام به الحوثيون من الإعلان عن إمكانية إستهداف العمق السعودي وضرب مكة، لم يحدث منذ عهد النجاشي ملك الحبشة، وأصحاب الفيل، والقداسة المطلقة للحرمين الشريفين، وللأماكن المقدسة عند عموم المسلمين جعلت الحديث عن المملكة دائمًا وأبدًا يجب أن يتسم بأعلى درجات ضبط النفس لرمزية المملكة عند العالم السني، وتأدبًا مع الله عز وجل عند الحديث عن بيت الله الحــــــــــــرام، إلا أن الحــــــــــوثي قد تجـــــــــــاوز كل الخطــــــــــوط الحمــــــــــــراء، مــــــــــــــا جعلنــــــــــــا نطلــــــــــق صيحـــــــــــة الضميـــــــــــر المســــــــــلم، والعـــــــــــربي… (الوقفــــــــــة الواجبـــــــــة مع المملكــــــــــة) فالأمر جد خطير ويتعلق بمستقبل العرب الإستراتيجي، وهو ما يفسر زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى القاهره في منتصف سبتمبر ٢٠٢٦م، للتنسيق مع فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية فيما يجب فعله، والتدابير الممكنة في العديد من الملفات في ضوء:
- رفض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التدخل عند باب المندب لإنقاذ التجارة العالمية: مدعيًا أن قضيته المركزية هي إيران ومضيق هرمز، ولن يتدخل وأن ما يحدث يتماشى مع عقيدة الفوضى الخلاقة التي انطلقت أمريكيا في المنطقة منذ العام ٢٠٠٧م ، غير أن هذه الخريطة التي نظموها للتفكيك والتجزئة وفق نبؤة برنارد لويس، وبريجينسكي، قد تعقدت أكثر مما ينبغي، وخرجت عن نطاقات التخطيط الإستراتيجي إلى حيث الإرتباك واسع المدى والفاعلية والتأثير، فوضى عارمة إستعصت على أن تجد للحل سبيلًا.
- لابد من مصارحة ومصالحة عربية جسورة، وبخاصة بين الإمارات العربية المتحدة والسعودية، وعودة جسور الثقة كمنطلق لمصالحة عربية أعم وأوسع، ورأب الصدع بين الجزائر والإمارات التي وصلت إلى حد القطيعة الدبلوماسية والسياسية الرسمية، ولازالت مصر البلد العربي الوحيد الواقفة على قدميها، وأن ما يتمتع به الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية من ثقة لدى جميع الأطراف يجعله قادر على لم الشمل العربي، فالأمة في حاجة ماسة لقمة عربية طارئة في أسرع وقت ممكن ….!!!
- تعقيدات الخريطة المذهبية، والطائفية، والفئوية، والجهوية، على غرار ما يحدث في لبنان، والعراق، يجب أن يوضع لها حد، فأنصار الله، وحزب الله، وجماعة الأحمر، وهؤلاء عقيدتهم إخوانية، وذاك مرجعيته شيعية، والحشد الشعبي، وفتح الشام، وقوات فجر ليبيا، وحماس، والدعم السريع كل ذلك من قبيل تعميق فكرة التقسيم، وتكريس التجزئة، ومن نتاج فشل التنظيمات الراديكالية المتطرفة الكبرى: (الإخوان- القاعدة- داعش) يجب إنقاذ ما تبقى من عالم عربي.
- إضاعة الوقت في البحث عن مستقبلات بديلة لما إستقر علية العقل الإستراتيجي العربي أمر فيه مزيد من الانفلات والتعقيد، وخوف واضح من مواجهة التحديات، وإعادة النظر فيما هو خارج السياقات العربية يعد فريضة واجبة :
- تحالف مكة هو البداية في المراجعة الإستراتيجية الضرورية في ظل تقاعس تركيا والباكستان عن مساعدة المملكة عسكريًا ضد هجومات الحوثي؛ بداعي حجج واهية من أن التحالف سياسي، أو دفاعي لم يتم وضع إطاره العسكري.
- إصرار الإمارات على عدم الحوار مع السعودية، وإستدعاء الهند العدو اللدود للباكستان إلى معادلة التحالفات أمر يعقد من الأزمات ولا يساهم في حلها، إلا أن الأونة الأخيرة قد شهدت حلحلة في هذا الموقف في ظل قيام وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان بزيارة الشيخ محمد بن زايد رئيس دولة الإمارات، وذلك في 19 أكتوبر 2026م.
- الحديث النخبوي السيبراني عن المشروعات البديلة لقناة السويس مثل: ممر التنمية الإقتصادي عبر الهند وإسرائيل، والسعودية، والإمارات وفق ما تم تداوله في إجتماعات مجموعة العشرين منذ العام ٢٠٢٤م، أو سكة حديد الحجاز تركيا، سوريا، أو مشروع بن جوريون كلها مشروعات تزعج القاهرة إزعاجًا يهدد مستقبل التنمية في مصر، تحتاج إلى محادثات ومراجعة وتوضيح حتى يمكن أن يكون هناك فاعلية أكبر للدور المصري إزاء التحديات، لابد من إزالة مثل هذه التهديدات المباشرة من أطراف عربية.
الوقفة الواجبة مع السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي ضد إيران وأذرعها العسكرية من الحوثي إلى حزب الله، وصولًا إلى الحشد الشعبي هو إنقاذ لمستقبل الأمة الإسلامية والعربية، ولا شك في ذلك…!!!
- الآن- كما في السابق- تتعقد خريطة النفوذ في اليمن ما بين تمدد حوثي في الساحل الغربي… وتراجع قوات طارق صالح، وقوات الشرعية والإصلاح تتركز في مأرب وشبوة وجيوب متفرقة داخل أبين وتعز، والإنتقالي لازالت له بقايا سيطرة في الجنوب، ثم تحولت هذه التقسيمات الكبرى إلى جغرافيات متناهية الصغر تتحكم فيها العصبية والقبلية، فضلًا عن واقع إقليمي مأزوم ومتأثر بالحرب والتحالفات، فيما الإستنفار حيال باب المندب الشريان الأهم في الشرق الأوسط لايزال يراوح مكانه، فالدول الأوربية تبدو غير مهتمة بعد بفك الحصار عن المضيق بالنظر إلى أن النفط السعودي يعد أهم مصادر الطاقة بالنسبة لها، والدعم الروسي والصيني للحوثي وإيران يعقد من المشهد المعقد أصلًا، وإسرائيل وأميركا يرون في الإمارات والحوثي بدائل إستراتيجية محتملة، هذه الضبابية، والرمادية المعتمة تجعل من الموقف المصري شديد الحساسية، لكن المؤكد أن مصر مع دعم السعودية في هذا التحدي الممتد منذ نهاية العام ٢٠١٤م وبدء عاصفة الحزم عام ٢٠١٥م ، إحدى عشرة سنة والخطر اليمني/ الحوثي لم يتبدد، بل إزداد تعقيدًا فيما يتعلق بالوضع الإستراتيجي للمملكة العربية السعودية، تحدي اليمن قد ألتهم الكثير من عوائد التنمية، وأعاق سلاسل الإمداد عن أن تعمل بكفاءة وفاعلية، وأزم العلاقات مع دولة الإمارات العربية المتحدة، ونال من تماسك مؤسسة مجلس التعاون الخليجي، وبذر بذور الشك في العلاقات السعودية- الأمريكية، أزمة اليمن هي كل أزمات النظام السياسي العربي من المحيط إلى الخليج، ولا يجب أن تترك السعودية وحدها تجابه هذا الخطر الميليشياوي الحوثي الداهم…!!!

ثالثًا- خريطة التعقيد الأيديولوجي في اليمن:
فوضى خلاقة للعنف:
- مرحلة اللا سلم واللا حرب: بدأت في العام 2022م، عندما بدأ تقارب سعودي – إيراني بوساطة صينية، إنعكس على الجبهة اليمنية، وذهب السفير السعودي إلى صنعاء، ووفد حوثي إلى الرياض مرتين إلى جدة وإلى مكة، وكانت هناك سلة حوافز قدمتها السعودية إلى الحوثي مثل: (السماح بفتح مطار صنعاء – إستمرار وصول الطيران المدني – منح الحوثيين ثلاث طائرات مدنية – حوافز مادية – دخول السفن بدون تفتيش)، في محاولة من السعودية لبناء الثقة، وإقتلاع الحوثي من المشروع الإيراني في المنطقة، غير أن الحوثي قد إستثمر هذه المرحلة في تخريج دفعات من المقاتلين، وتخزين المزيد من الأسلحة والمعدات العسكرية، وفتح جبهات جديدة للقتال، وطلب جزء من العوائد النفطية، حيث تعد مأرب الخزان النفطي في اليمن، وطالب بعودة البنك المركزي إلى صنعاء.
- في عام 2023م، بدأ الحوثي في التوسع تحت زعم قافلة إسناد غزه بتحريك إيراني مشبوه، وقبلها كان الإنقسام في الشرعية قد ترسخ عندما إستبدل عبد رب منصور هادي بأربع أشخاص موالين للسعودية، وأربع موالين لدولة الإمارات وذلك في عام 2022م، في تشكيلة غير متجانسة، وكان هناك إقتتال داخلىى في شبوة، وآبين، وحضر موت، والجنوب يصبح جزء من ممتلكات الإمارات والشمال يتبع جزء من ممتلكات الحوثيين، وهكذا بدت خريطة العنف في اليمن على النحو التالي:
- التيار الإسلامي الشيعي- الإمامي- الزيدي- الجارودي: ويمثله جماعة أنصار الله الحوثي تتبنى الجماعة “المسيرة القرآنية”، حيث فكر حسين بدر الدين الحوثي، تسيطر عسكريًا على صنعاء ومعظم المحافظات الشمالية، والغربية ذات الكثافة السكانية مثل: صعدة، عمران، وحجة، وذمار.
- التيار الإسلامي السني “الإخوان المسلمون – السلفية”: حيث التجمع اليمني للإصلاح وهو شريك رئيسي في الحكومة المعترف بها دوليًا، في مأرب، وتعز، وأجزاء من حضر موت، بينما تنتشر السلفية العسكرية العمالقة في جبهات الساحل الغربي، وشبوه.
- التيار القومي اليساري الإشتراكي، والناصري: في محافظات مثل تعز ، وعدن.
- التيار الوطني والجمهوري التقليدي – الليبرالي المحافظ: حيث المؤتمر الشعبي العام، ولم يتبقىى منه إلا قوات طارق صالح في الساحل الغربي (يتواجد في المخا)، قبل الإجتياح الحوثي.
- التيار القومي العقائدي الجنوبي: (المجلس الإنتقالي في عدن، لحج، الضالع، سقطري).
حكومة الشرعية في السعودية، والإنتقالي الجنوبي في الإمارات، كيف يمكن أن يكون هناك مقاومة للحوثيين، والقيادات خارج البلاد، ما يحدث في اليمن هي سلسلة حروب متداخلة لصراعات إقليمية معقدة، اليمن في حالة إنفجار هوياتي/ جهوي غير مسبوقة في التاريخ.

رابعًا- كيف بدا المشهد الدولي في أزمة اليمن- السعودية؟:
مشروع التفكيك ومنظومات العمل الإستراتيجي العربي: حسابات القوى الكبرى:
- تأكل منظومات العمل الإستراتيجي العربي، فلم يعد هناك مجلس للتعاون الخليجي، عجز تمامًا عن تقديم أية حلول ممكنة إزاء رأب الصدع في العلاقات السعودية – الإماراتية، والأمر نفسه ينسحب على جامعة الدول العربية، وكل مفاهيم ومقومات الدفاع العربي المشترك، كما دفنت قوات درع الجزيرة تحت أقدام وخناجر الحوثيين ومجنزراتهم، طالبان الخليج يعيثون في الأراضي العربية المقدسة فسادًا، ولم تعلن دولة خليجية دعمها العسكري للمملكة، فيما دخلت مصر في إجراءات دستورية لمساعدة المملكة.
- الإمارات ضد المشروع السعودي في اليمن، والسعودية طردت الإمارات من الجنوب، ونصف حكام اليمن في السعودية، ونصفهم الآخر في الإمارات، وسلطنة عمان مع الهوى الحوثي/ الإيراني منذ مساعدة الأخيرة لها في إخماد ثورة ظفار في ستينيات القرن الماضي، ودولة قطر قد أنهكتها وأتعبتها الحيل الدبلوماسية، وقد خرجت للتو من حرب سيبرانية طويلة الأمد بينها وبين السعودية والإمارات، والكويت منكفأة على تنقية قوائم الجنسية، وجراحاتها الداخلية، والبحرين حائرة بين قيادة سنية المذهب، وشعب ثلثاه شيعة، حالة من الإنفجار الهوياتي غير المسبوقة في التاريخ المعاصر في دول مجلس التعاون الخليجي.
- التنافس الدولي على أشده في اليمن، فالصين وروسيا يدعمان إيران ومشروعها في الإقليم: وبالتالي يرون في أفعال الحوثي تخريبًا ممنهجًا للهيمنة الأمريكية ومظلتها الأمنية التي طالما إستنزفت موارد المنطقة تحت زعم منها، والولايات المتحدة الأمريكية لاتزال تلعب بنفس أوراقها القديمة، ها هي نبؤاتها تتحقق الخطر الإيراني حقيقة، والتهديد الحوثي يقين رؤيا العين، ولم تلعب بهم أمريكا ولم تكذب، إذا ما الحل؟، الحل … الدفع قبل الحرب!!!..
- الأطراف الإقليمية تبدو حساباتها معقدة تعقيدًا يحبس الأنفاس على النحو التالي:
- مصر… لليمن مرارات تاريخية في العقل والوعي الجمعي منذ حرب اليمن في الستينيات من القرن الماضي، التي جلبت عليها العدوان الإسرائيلي في ١٩٦٧م، واليمن مجموعات يمن، بعضها إمارات والبعض الأخر سعودي، والثالث عماني، وقد احتفظت مصر بعلاقات طيبة بكل هؤلاء وفق عقيدة الإتزان الإستراتيجي المصرية، لكن إذا ما تأكد لديها أن هيمنة الحوثي ستؤثر على تجارة البحر الأحمر وقناة السويس، فالحسبة لديها ستختلف، وهو ما دعا الرئيس السيسي للتخلي عن الحذر، ودراسة إحتمالات الإنخراط في الحرب.
- تركيا… لديها مشروع سني لازال عالقًا بأحبال الخلافة، والعثمنة، وترتبط بحلف مكة الدفاعي مع السعودية، لكنها منهكة في سوريا، وليبيا، والسودان، والمغامرة في حرب عصابات الحوثي أمر قد يضر بكبريائها العسكري والسياسي، ويكتفي هنا أردوغان بالخطاب المساند، والتهديد، وإضاعة الوقت في إجراءات تلو الإجراءات للحصول على موافقة الشعب التركي.
- إسرائيل… ترى أن الجميع يلعب لحسابها بالوكالة على قاعدة: (دع الفخار يكسر بعضه بعضًا) فالعرب ضد إيران، وإيران تتكسر قدراتها العسكرية يوما بعد يوم، والقيادة الأمريكية الوسطى تدير مشروع كوندليزا رايس عن الفوضى بفاعلية منقطعة النظير، وتنفرد قدراتها العسكرية بإتساع وتوسيع مجالها الحيوي باتجاه غزه، وسوريا، وجنوب لبنان، وتنتظر تورط مصر في حرب باب المندب، ولا تعبأ أبدًا بالتطبيع السعودي أو عدم التطبيع بعد أن إنتهى عمليًا المشروع الإبراهيمي، الذي فقد سمعته منذ أن تبناه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب… إسرائيل هي المستفيد الأوحد من كل ما يحدث…!!، فيما الباكستان قد إنكفأت على ثورات داخلية تطالب بالإفراج عن “عمران خان”، فضلًا عن تهديدات الهند التي تحركها حسابات إقليمية ودولية.
ما أحوج العــــــــرب جميعهم في هذا الإســــــــــتثناء التـــــــــــــاريخي من الظـــــــــــروف الصـــــــــعبة إلى الأبيــــــــــات الشعرية التي ارتضاها سمو الأمير عبدالعزيز آل سعود نبراسًا له، وهي:
| الحَقُّ يُرْجِعُهُ سَــيْفٌ وَرَشّــاش | وَفَارِسٌ ضَارِبٌ في الحَرْبِ جَيَّاشُ |
| فَاسْتَوْحِ مِنْ كُتُبِ التَّارِيْخِ عِـبْرَتَها | هَلْ أَرْجَعَ الحَقَّ خَوَّافٌ وَرَعَّاشُ؟ |
خامسًا- الحرب التي سئم منها الجميع: حرب مل منها الجميع حتى أطرافها:
حرب تركها الناس وأنصرفوا إلى أشغالهم: حرب لم يعد يكترث بها أحد:
في ٢٨ فبراير ٢٠٢٦م، إندلعت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، واليوم الخميس الموافق 22 أكتوبر ٢٠٢٦م يكون قد مضى 246 يومًا، ولم تحقق أميركا أهدافها في إيران سواء بتغيير النظام أو إجباره على تقديم تنازلات في ملفات عديدة، وفيما تفرغت إسرائيل لأحداث تغييرات جذرية على جبهات قطاع غزه، والجنوب اللبناني، وسوريا فإن الانفلات الإيراني قد طال كل دول مجلس التعاون الخليجي، كما انتقلت كرة اللهب من حرب مضيق هرمز إلى حرب أخرى عند باب المندب، ومع تعنت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وتركه الأمور معلقة، فإن الرأي العام العالمي لم يعد مهتمًا بمتابعة أخبار هذه الحرب، صار الجميع يبحث عن تدابير لحياته بعيدًا عن التفرغ أو الإنتظار، حركة التجارة العالمية هائمة على وجوهها؛ بحثًا عن طرق بديلة، حالة من البؤس، والعجز والتردي غير مسبوقة في الشرق الأوسط، ومنطقة الحزام الشمالي، بحيث تجمد المشهد السياسي بصورة شبه تامة عند التوترات التالية:
- الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لازال مصرًا على مواصلة الحرب حتى لا تكون لدى الأمريكيين عقدة فيتنام جديدة في إيران… دولة تعرف كيف تبدأ الحرب، ولكن لا تعرف كيف تنهيها، دولة تدعي أنها بلد السلام ومؤسسات الشفافية، ومراقبة حريات العالم، وهي تضبط متلبسة بالعجز والسلبية شبه المطلقة، دولة تدعي أنها بلد المركز والعولمة، وتدير المعمار المالي العالمي من “وول ستريت” على أساس من التنافسية، وآليات السوق، وهي تحتكر القوة، والعنف، والسلاح، والرقائق الإليكترونية، وحركة الملاحة البحرية والجوية، دولة تنقض على المؤسسات العريقة مثل: (الأمم المتحدة، والبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، ومركز التجارة العالمي)، وتقيم مجلس السلام العالمي عوضًا عن كل هذه المؤسسات، التي حكمت العالم عرفًا وقانونًا لأكثر من ثمانين عامًا.
- إيران ولأجل كسر الحصار المفروض عليها في مضيق هرمز، قامت بحرب منفلتة موازية عن طريق أذرعها في العراق واليمن وضرب السعودية، ومزيد من التوتر في بقية دول مجلس التعاون الخليجي في مواجهة التحديات والصلف الأمريكي، والحوثيين من تلقاء أنفسهم قد وجدوا في التطورات سانحة تاريخية قد لا يجود الزمان بمثلها في تكريس هيمنة شبه مطلقة على كامل اليمن، وحركة الملاحة في البحر الأحمر، والتلويح بإستعادة أراضي يرون أنها يمنية مثل: (جيزان، ونجران، وعسير)، الحوثي صار يدير حربًا بالوكالة عن إيران في مواجهة السعودية.
لا ترى إيران أنها قد خسرت شيئًا، بل تأكد لديها قدرتها على مواجهة أكبر دولة في العالم، وأن حلفاؤها يحققون نجاحات لم تكن متوقعة ما كانوا يحققونها لولا هذه الحرب التي أنهكت الجميع.
- دول مجلس التعاون الخليجي قد ودعت وربما للأبد فكرة المجلس، وأمل التعاون، وهوية الخليج، وحسم إشكالية الجدل والصراع المرير حول فارسيته أم عروبته، دول قد ضربت في صميم هويتها القبلية، بحيث أصبحت تعاني من أمراض واضحة مثل:
- الخلاف السعودي- الإماراتي، الذي ظهر في اليمن، وسمع صداه في العديد من الملفات مثل: إنسحاب الإمارات من الأوابيك النفطي التي تديرها السعودية منذ عقود.
- أزمة سحب الجنسية وتعطيل العمل بالدستور وتجميد مجلس الأمة في الكويت يعد نكوصًا واضحًا عن المساعي الديمقراطية، إجراءات تبعتها دولة قطر في إلغاء إنتخابات مجلس الشورى، كل ذلك على خلفية نزعات تمرد قبلية، ترى في نفسها شريك وطني، ومن حقها أن تنادي بالتداول السلمي السلطة.
- سلطنة عمان، ومملكة البحرين يعانيان من هويات شيعية صاعدة، لا يمكن فصلها عن تطورات الأحداث، ففيما الأولى تحاول معالجة الأمر بالمزيد من دبلوماسية الحياد الايجابي، فإن الثانية ذات الحكم السني لأغلبية شيعية كانت تعول على السلام الإبراهيمي كطوق نجاة، ومعادل موضوعي لأزمتها الديموجرافية.
- السعودية التي ذهبت إلى تحالف مكة مع الباكستان وتركيا، يرى المعنيون بأن جهودًا إضافية في سبيل إستعادة قوة مجلس التعاون الخليجي، وقوات درع الجزيرة كان أفضل إختيار إستراتيجي للمملكة بدلًا من بعثرة الجهد والوقت، وقد يكون من اللافت للإنتباه أن الإنسلاخ السعودي التدريجي من مجلس التعاون الخليجي قد تزامن معه جرأة حوثية على جيوبولتيك المملكة، سواء تعلق الأمر بتحريض الإمارات، أو إدراك الحوثي بأن السعودية لم تعد محمية لا بالغطاء الأمريكي ولا بالهوية الخليجية.
هذه الحرب قد طالت أكثر مما ينبغي، حرب تلد أخرى، حرب سئم منها الجميع حتى أطرافها… حرب إنصرف عنها الناس إلى حيث تدابير أخرى، حرب لم يعد يتابعها أحد…!!

سادسًا- جولة الرئيس عبد الفتاح السيسي الآسيوية… التوقيت والدلالة:
في ٧ أكتوبر ٢٠٢٦م، بدأ الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية زيارة آسيوية من كوريا الجنوبية ثم ماليزيا، وإندونيسيا بهدف فتح أفاق جديدة للصناعات، والأسواق، وبخاصة في المجالات الإلكترونية، والرقمنة، حيث تستضيف القاهرة العديد من الشركات الكورية الجنوبية مثل: سامسونج، واﻟ جي، وهيونداي، وقد استقبلت هذه الدول فخامته بالحفاوة والترحاب، والأغاني الوطنية المصرية، كما منح أرفع الأوسمة تقديرًا لفخامتة، ومكانة مصر الإقليمية والدولية.
وقد أستمرت هذه الزيارة حتى الحادي عشر من أكتوبر حرص الرئيس خلالها على بحث أوجه التعاون الإقتصادي مع هذه الدول، وكذا طمأنة قياداتها السياسية بشأن الجهود المصرية المبذولة؛ لأجل خفض التوتر في الشرق الأوسط.
يأتي إختيار هذه الدول؛ لكونها تحمل تجارب في الإقتصاد المعولم بأسباب ومدخلات وطنية، وهي ترفع شعار : (إن خير وسيلة لمقاومة العولمة الجشعة، هو بالإنخراط فيها)، كما يتضح تنامي علاقات مصر الآسيوية حيث تبدو الصين كشريك إقتصادي، وروسيا التي يحتفظ رئيسها فلاديمير بوتين بصداقة مع الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية، ملامح توجه جديد سيؤتي ثماره في المنظور القريب.

سابعًا- عندما نعيش التاريخ:
التداول النموذجي للسلطة… جدل صنع القرار الرشيد في مصر:
في يوم ١٧ أكتوبر ٢٠٢٦م، أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية عن قرارين تاريخيين:
- الأول: عزمه الركون إلى الدستور ومواده بعدم نيته في الترشح للرئاسة مرة أخرى، وأن العام ٢٠٣٠م هو نهاية فترة حكمه، وأن لديه رؤية ممنهجة للتداول السلمي للسلطة، قوامها إعداد كوادر من الكفاءات المصرية في كافة التخصصات تقضي ثلاثون شهرًا في الأكاديمية العسكرية على نفقة الدولة؛ ليتم تدريبهم على وظيفة المسؤول في الدولة، وبهذا البرنامج قطع الرئيس الطريق أمام المعارضة، واعلام جماعات التطرف والإرهاب من أن تستمر في تكهناتها غير الصحيحة.
- الثاني: دعا الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية البرلمان للإنعقاد الفوري؛ لاستطلاع رأيه في ذهاب القوات المسلحة للدفاع عن المملكة العربية السعودية، ومن ثم المصالح المصرية في قناة السويس، والبحر الأحمر، وباب المندب، وهذا القرار الذي يعيد للتضامن العربي جزءًا من بريقة، هو في الوقت ذاته استنهاض لهمم عربية أخرى لأن تلحق بهذا التحالف، وبالتالي تستطيع القومية العربية تدريجيًا أن تستعيد بعضًا من مجدها في ظل التحديات والمخاطر المحيطة بالأمة العربية.
ثامناً- ماذا تعني الخطوة المصرية الجديدة بشأن إرسال قوات إلى المملكة العربية السعودية؟:
- أن مصر قد تخلت عمليًا عن عقيدة الإتزان الإستراتيجي، والصبر ، والغموض البناء، والكمون التكتيكي، وكلها فلسفات للحكم ألزمت نفسها بها القيادة السياسية منذ بدء حكم الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية، وكانت من دلالات صنع القرار الرشيد في مصر.
- أن “مسافة السكة” التي أعلنها الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية في إشارة إلى الإرتباط الوثيق بين الأمن القومي المصري، والخليجي قد دخلت حيز التنفيذ الفعلي، وأن الإنتقادات التي كانت تنال من هذه الفرضية قد سقطت إلى غير رجعة.
- أن في التدخل المصري من جديد بشأن الحرب الدائرة بين السعودية والحوثيين، إضطرار تاريخي تلجأ إليه الأمم والدول عندما تضيق أمامها الخيارات، ولا يكون لديها ترف الإختيار بين أفضلين، والإضطرار هنا له أكثر من معنى ومبرر :
- ففي التدخل مصلحة مصرية مباشرة في الدفاع عن أمن البحر الأحمر، وباب المندب، وقناة السويس.
- في التدخل المصري تنفيذ لإتزام أدبي وسياسي، وأخلاقي أمام وقفة المملكة العربية السعودية إلى جانب الدولة المصرية في مواجهة التطرف والإرهاب، وتحديات البناء لما بعد ثورة ٣٠ يونيو ٢٠١٣م منذ ذلك اللقاء الشهير بين الملك عبد الله بن عبد العزيز والرئيس عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية على متن الطائرة، وكلها كانت من صنع القرار الرشيد.
- أن الصبر الإستراتيجي المصري حيال الاستفزازات الحوثية قد نفذ، ومعلوم من السياسة المصرية بالضرورة عقيدة عدم القبول المطلق بالفواعل المسلحة من غير الدول في العديد من الدول العربية، مصر مع الدولة الوطنية وليس الفواعل المسلحة من غير الدول.
- تواجه الخطوة المصرية محاذير وإنتقادات من المعارضة، وبعض التيارات لإرتباط التدخل في اليمن بمرارات وعقدة تاريخية منذ حرب اليمن في الستينيات من القرن الماضي التي جلبت عليها العدوان الإسرائيلي في ١٩٦٧م، كما أن هناك مقولات لبعض قيادات القوات المسلحة كانت تؤكد على أن: (جيش مصر للدفاع عن مصر )، ولا تجد نفسها مضطرة للقبول بهذا الإضطرار، والتغير في الظروف، والقوة القاهرة التي جعلت القيادة السياسية تقدم على هذه الخطوة بعد الرجوع إلى مجلس الدفاع الوطني والبرلمان المصري، يعد من الأصول المنهجية والعلمية المعتبرة في صنع القرار الرشيد.
تاسعًا- الحرب الأمريكية على إيران:
أكبر خطأ إستراتيجي في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية:
فضلًا عن النخب العربية الثقات، يقف جون مير شايمر أهم ثالث مفكر إستراتيجي أمريكي بعد كيسنجر، وفولبرايت وقفة جسورة ضد الطغيان الإمبراطوري الأمريكي، ويعدد إحدى عشرة سببًا كانت كافية لجعل الحرب الأمريكية على إيران هي الأسوأ في التاريخ الأمريكي قبل ٢٥٠سنة، وقبل كارثتي فيتنام، والعراق، وقد عدد هذه الأسباب لمقولته الأقوى منذ بدء الحرب فيما يلي:
- أن الولايات المتحدة الأمريكية قد دخلت هذه الحرب إستنادًا إلى ادعاء كاذب من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو: أن إيران باتت على مقربة من إنتاج سلاح نووي، وهو ما تم نفيه من خبراء النخبة في البنتاجون.
- أن دونالد ترامب قد ذهب إلى هذه الحرب وهو مقتنع بأن القوات الجوية وحدها قادرة على تغيير النظام في إيران، وهو ما لم يحدث، ما شكل إرباكا شديدًا للبنتاجون، والمخطط الإستراتيجي الأمريكي.
- لم يضع ترامب وفريقه خطط بديلة أو سيناريوهات للتعامل مع احتمالات غلق مضيق هرمز من قبل إيران، رغمًا عن أنه قد أنهى حرب الاثنى عشرة يومًا ضد إيران عام ٢٠٢٥م؛ خشية إقدام إيران على غلق المضيق.
- تسببت الحرب في ضررًا بالغًا للإقتصاد العالمي بسبب من غلق مضيق هرمز، بل ويشرف هذا المعمار المالي العالمي من: (صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، ومنظمة التجارة العالمية) على عدم القدرة على إيجاد حلول للفقر، والكساد، والفشل الإقتصادي حول العالم، تضرر المركز أصاب الأطراف بالشلل، بحيث بات التضخم يهدد كل إقتصاديات العالم.
- أضعفت الحرب بشدة شبكة التحالفات التي بنتها أميركا على مدى أكثر من سبعين عامًا، ولم يعد الوثوق بأمريكا من المسلمات، وإنما بات هناك قناعات متعاظمة بأن أميركا أكثر خطورة من إيران على دول مجلس التعاون الخليجي.
- تضررت القواعد العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط، وبخاصة في دول الخليج أو دمرت كلها، بحيث تم نقل ما تبقى منها إلى الأردن ثم إسرائيل، وأخيرًا إلى أوربا.
- استنزفت أميركا من مخزونها أسلحة إستراتيجية بشكل غير مسبوق، ولم يعد لأمريكا حاملات طائرات في شرق آسيا بعد أن سحبت إلى منطقة الخليج العربي، كما عجزت أمريكا، والمجمع الصناعي الأمريكي لأول مرة في التاريخ الحديث والمعاصر عن الوفاء بصفقات سلاح جديدة، وبخاصة صواريخ توماهوك، وصارت تطبق القول الشهير: (نأخذ من بطرس لندفع لبولس).
- ألحقت الحرب ضررًا بالغًا بسمعة أميركا كداعية سلام، وذهبت أوهام دونالد ترامب في الفوز بجائزة نوبل للسلام أدراج الرياح، فضلًا عن ضياع الأمل في أن تكون أمريكا حليف يمكن الوثوق به، ولم تعد هي تلك الدولة التي تشكل شرطي العالم لضبط إيقاعه، وإنما صارت دولة مارقة تمارس إرهاب الدولة. وأن العديد من الدول نعم يدينون الحرب الإيرانية على دول مجلس التعاون الخليجي، وفي الوقت ذاته يتمنون إنتصار إيران على أمريكا وإسرائيل، مثل: روسيا، والصين، وغيرهما، أميركا أصبحت صنو إسرائيل دول مارقة لا تحترم القوانين الدولية.
- عززت الحرب موقع إيران الإستراتيجي الإقليمي بدلًا من أن تضعفه، الحرب أعادت لإيران أذرعها المفقودة في اليمن، ولبنان، والعراق .
- لا يبدو أن هناك أمل في التوصل إلى إتفاق نووي مع إيران، وأن إحتمالات إمتلاك إيران رادع نووي صارت أقرب من ذي قبل، كما أن تبرير ذلك سيكون مقبولًا أمام المجتمع الدولي، بالنظر إلى العدوان الإسرائيلي الأمريكي المتكرر عليها.
- لم تحقق الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل أي من الأهداف الأربع الرئيسية لهذه الحرب وهي :
- تغيير النظام في إيران.
- انهاء قدرة إيران على التخصيب النووي.
- إنهاء قدرة إيران على إطلاق الصواريخ بعيدة المدى.
- إنهاء قدرة إيران على التواصل مع أذرعها.

عاشرًا- خرائط نتنياهو تعود من جديد: أزرق وأخضر وأرجواني:
تركيا وليبيا ضد مصر في الحدود البحرية:
مرة أخرى تعود خرائط نتنياهو إلى الواجهة مع ٢٠ أكتوبر ٢٠٢٦م، فبدلًا من خرائط للنعيم، وخرائط للعنة، عاد ليحدد ثلاث جيو-سياسيات متصارعة في الشرق الأوسط وهي :
- محور للسنة الأخضر: ويضم تحالف مكة بين السعودية وتركيا والباكستان ومصر.
- المحور الشيعي الأورجواني: حيث إيران، وجنوب لبنان، والحوثيين في اليمن، ثم جزء من جغرافية العراق الشيعة.
- تحالف سداسي أزرق: قوامه إسرائيل والهند والإمارات، ومناطق نفوذها مثل: الدعم السريع، ومناطق خليفة حفتر، وصومالي لاند، وجنوب اليمن، وذلك ضمن عقيدة أمنية جديدة للشرق الأوسط.
- لم تكن إسرائيل وحدها هي التي تبحث عن خرائط جديدة لأمنها، بل تركيا، وليبيا يحاولان تحديد حدودهما البحرية بما يضر بالمصالح المصرية عندماوافق البرلمان الليبي على إتفاق الحدود البحرية مع تركيا دون التشاور مع مصر ، وأصبحت العلاقات المصرية مع الدولتين بحاجة إلى المراجعة الإستراتيجية الضرورية، حدث ذلك كله مع أواخر أكتوبر 2026م، بالتزامن مع نهايات المنتدى.
- المنتدى المصري ٢٠٢٦م، كان فرصة لمراجعة الملفات، والتعريف بما تم إنجازه، وهذا ما نجح فيه المنتدى فذاك هو الشق الأول منه يبقى أن رؤى الغد، واستشراف المستقبل يحتاج إلى المزيد من الندوات، والجلسات، واللقاءات، وورش العمل الإستراتيجي، ولعل هذه الورقة التي نقدمها تكون هي واسطة العقد بين شعاري المنتدى (نظرة لليوم… رؤية للغد…)، فالمنتدى لم ينتهى بعد، بل ها هو قد بدأ..!!
جريدة المنطقة العربية رؤية فريدة وتفاصيل حصرية
