أخبار عاجلة
نتائج قمة شرم الشيخ للسلام برئاسة السيسي وترامب
نتائج قمة شرم الشيخ للسلام برئاسة السيسي وترامب

كيف عززت مصر مكانتها كصانعة سلام فى الشرق الأوسط؟

برزت مصر كركيزة توازن واستقرار، بعد عواصف سياسية وعسكرية اجتاحت المنطقة خلال السنوات الأخيرة، واستطاعت أن تصمد وتعيد تموضعها الإقليمى رافعة راية السلام وسط عالم مضطرب، مفتاح هذا الصمود يكمن فى مزيج من عناصر ثابتة، موقع جيواستراتيجى محورى، وقدرة استخباراتية ودبلوماسية متماسكة، وشبكة علاقات إقليمية ودولية واسعة، خاصة مع الولايات المتحدة ودول الخليج وتركيا، مكنت القاهرة من لعب دور الوسيط الموثوق بين أطراف الصراع، هذه المقومات جعلت من مصر منصة رئيسية للتفاوض وتسوية النزاعات، ويظهر ذلك فى استضافتها لـ«قمة شرم الشيخ للسلام»، ومراسم توقيع اتفاقيات وقف إطلاق النار، لتؤكد من جديد حضورها الفاعل فى هندسة التهدئة الإقليمية وبناء مسار سلام مستدام.

وتجسد دور القاهرة فى أداء دبلوماسى متوازن جمع بين ثبات الموقف الرسمى الداعى إلى حل الدولتين، والتحركات الميدانية العملية مثل فتح المعابر الإنسانية، وضبط الحدود، والتنسيق مع الفصائل والجهات الدولية، ما منحها مصداقية نادرة كوسيط نزيه وفعال.

وقال الرئيس عبدالفتاح السيسى إن مصر دشنت مسار السلام منذ نوفمبر ١٩٧٧، حيث يضع هذا النهج فى سياقه التاريخى الممتد، ويعكس استمرارية السياسة المصرية فى السعى إلى إرساء السلام باعتباره خيارًا استراتيجيًا لا تراجع عنه.

اعتماد 3 آليات متوازنة لإدارة المفاوضات وتقريب وجهات النظر بين جميع الأطراف

اعتمدت مصر فى إدارتها لأزمة غزة على استراتيجية متعددة المسارات، تمزج بين التحرك الدبلوماسى والسياسى والميدانى، فى إطار رؤية شاملة تهدف إلى تثبيت الهدنة وتحويلها إلى مسار دائم للسلام.

وتحركت القاهرة عبر ثلاث آليات متوازية: الأولى، فتح قنوات وساطة غير رسمية مباشرة بين الفصائل الفلسطينية، لتقريب وجهات النظر وتحقيق تفاهمات ميدانية عاجلة.

والثانية، التنسيق مع قوى إقليمية ودولية مثل قطر وتركيا والولايات المتحدة، بما يشكل ما يمكن وصفه بـ«حلف الضمانات» لتنفيذ أى اتفاق، وتثبيت التزامات الأطراف كلها.

أما الثالثة فتمثلت فى تحويل وقف إطلاق النار إلى عملية مؤسسية من خلال استضافة مؤتمرات دولية لإعادة الإعمار، وتشكيل لجان مراقبة تضمن استمرار التهدئة ضمن أطر قانونية وسياسية واضحة.

وأثمرت هذه المقاربة المتكاملة عن نتائج ملموسة تمثلت فى تبادلات للأسرى، وبدء تحركات إنسانية لإعادة الإعمار، وصولًا إلى توقيع وثائق السلام فى شرم الشيخ، التى وضعت الأساس لاتفاق تاريخى بوقف الحرب.

واعتمدت مصر فى تحركاتها السياسية على دبلوماسية شاملة ومتعددة الأدوات، هدفت من خلالها إلى تثبيت الموقفين العربى والإسلامى الداعمين لحقوق الشعب الفلسطينى، وإبقاء الاعتراف بدولة فلسطين على رأس أولويات الأجندة الإقليمية والدولية.

وقادت القاهرة حملات تحشيد عربية وإسلامية، واستثمرت حضورها داخل الجامعة العربية والمنظمات الدولية لتوحيد الموقف تجاه القضية الفلسطينية، مع الحرص على ربط الاعتراف بالدولة الفلسطينية بمسارات سياسية واقتصادية أوسع تشمل ملفات إعادة الإعمار، وتوفير الضمانات الأمنية، وترسيم الحدود الآمنة، بما يجعل من الحل النهائى عملية متكاملة لا مجرد تسوية شكلية.

أما رفضها الدائم للإغراءات والضغوط الخارجية، فقد كان موقفًا محسوبًا بعناية لا يستند فقط إلى أخلاقيات السياسة، بل إلى تكتيك استراتيجى يستهدف الحفاظ على مصداقية مصر التاريخية فى الدفاع عن القضية الفلسطينية وعدم الزج بها فى مساومات مرحلية.

وعبر الرئيس السيسى عن هذا التوجه بوضوح حين شدد على أن حل الدولتين هو السبيل الوحيد لتحقيق العدالة والمساواة بين الشعبين، مؤكدًا أن السلام العادل لا يمكن أن يقوم على القوة وحدها، بل على الاعتراف المتبادل والإنصاف السياسى، وهى رسالة تلخص جوهر الرؤية المصرية فى إدارة هذا الملف المعقد.

وانتهجت مصر خلال السنوات الأخيرة سياسة توازن دقيقة فى تعاملها مع الصراع الفلسطينى–الإسرائيلى، تقوم على الجمع بين الواقعية الأمنية والصلابة السياسية، فمن جهة، حافظت القاهرة على قنوات التعاون الاستخباراتى والأمنى مع إسرائيل، انطلاقًا من ضرورات أمنها القومى، خاصة ما يتصل بحماية سيناء وتأمين ممرات الملاحة الدولية فى البحر الأحمر وقناة السويس، وهى ملفات تمس استقرار الدولة المصرية مباشرة.

ومن جهة أخرى، مارست ضغوطًا دبلوماسية وإنسانية مدروسة كلما تصاعدت العمليات العسكرية أو تفاقمت الأوضاع فى قطاع غزة، لتذكر المجتمع الدولى بمسئوليته، وتوازن كفة الميدان عبر أدوات سياسية وقانونية دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.

هذا النهج الذى يمكن توصيفه بـ«التعاون مقابل الضغط» يمثل نموذجًا مصريًا فريدًا فى إدارة العلاقات مع إسرائيل، إذ يتيح لمصر الاحتفاظ بدورها كوسيط موثوق، وفى الوقت ذاته استخدام أدوات النفوذ لفرض ضوابط إنسانية وسياسية على سلوك الطرف الأقوى فى الصراع.

وأثبتت التجربة أن هذا الأسلوب منح القاهرة قدرة عملية على التدخل فى لحظات حاسمة سواء لوقف الهجمات، أو لفتح المعابر الإنسانية، أو لإطلاق سراح الأسرى دون المساس بثوابت موقفها التاريخى الداعم للحقوق الفلسطينية.

تتحرك وفق رؤية تراكمية تتبنى أدوات دبلوماسية نشطة ومبادرات أمنية واقتصادية

عملت مصر خلال السنوات الأخيرة على إعادة صياغة دورها الإقليمى بما يتناسب مع التحولات الجيوسياسية المتسارعة فى الشرق الأوسط، مستهدفة استعادة زمام المبادرة وقيادة محور الاستقرار فى المنطقة.

وتمحور هذا الدور حول دعم الدولة الوطنية ومؤسساتها الشرعية فى مواجهة الانقسامات والصراعات الداخلية، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن تفكك الدول يفتح الباب أمام الفوضى والإرهاب، ويهدد الأمن القومى العربى برمته.

وتبنت القاهرة مقاربات سياسية متوازنة فى أكثر من ملف: ففى سوريا، دعمت حلًا سياسيًا يحفظ مؤسسات الدولة ويمنع تفككها، وفى ليبيا والسودان عملت على رعاية حوارات بين أطراف الصراع لتقريب وجهات النظر، وإعلاء مبدأ الحوار الوطنى على حساب الحلول العسكرية.

كما سعت مصر إلى حشد دعم عربى وإقليمى واسع، عبر اتفاقيات ثنائية ومبادرات مشتركة مع السعودية والإمارات والولايات المتحدة، لتشكيل ما يشبه إجماعًا استراتيجيًا على ضرورة الحفاظ على استقرار الدول العربية ومنع تمدد الصراعات.

وما زالت القاهرة تتحرك وفق رؤية تراكمية، تبنى من خلالها تفاهمات تدريجية تستند إلى أدوات دبلوماسية نشطة ومبادرات أمنية واقتصادية، هدفها فى النهاية تثبيت مبدأ الدولة الوطنية كركيزة أساسية للسلام الإقليمى.

وتشير التحليلات الدولية إلى أن الكلمة المصرية فى قمة شرم الشيخ لم تكن مجرد خطاب بروتوكولى، بل حملت مضمونًا استراتيجيًا متكاملًا على ثلاثة مستويات متداخلة.

أولًا، التأطير التاريخى لشرعية مصر كقوة سلام، إذ استحضرت القاهرة سجلها الممتد منذ مبادرة الرئيس محمد أنور السادات عام ١٩٧٧ حتى اليوم، لتؤكد أن دورها كوسيط ليس طارئًا، بل هو امتداد لمسار ثابت من صناعة التوافقات السياسية، ما يعزز مصداقيتها أمام الأطراف الدولية والإقليمية.

ثانيًا، الربط بين السلام والتنمية، حيث تضمنت الكلمة دعوة لاستضافة مؤتمر لإعادة إعمار غزة، فى إشارة واضحة إلى أن تحقيق السلام لا يكتمل دون معالجة جذور الأزمات الاقتصادية والإنسانية، فمصر تراهن على أدوات التنمية كوسيلة لترسيخ نتائج التسوية السياسية وتحويلها إلى واقع ملموس.

ثالثًا، استخدام الرمزية الدبلوماسية لتثبيت الشراكات الدولية، إذ حملت الإشادة الدولية ومنح قلادة النيل لترامب دلالة سياسية، تؤكد أن القاهرة تنظر إلى الضامنين الدوليين كشركاء فى صناعة الحل لا كمراقبين، وهى بذلك تعيد تقديم نفسها كـ«مركز توازن» يحظى بثقة متبادلة بين الشرق والغرب.

وفى إطار رؤية مصر لضمان استدامة السلام الإقليمى بعد قمة شرم الشيخ، قدمت القاهرة حزمة من التوصيات العملية القابلة للتنفيذ، تمثل نواة خريطة طريق جديدة لإدارة ما بعد وقف إطلاق النار.

وتطرح مصر فكرة تدويل الإشراف على وقف إطلاق النار من خلال إنشاء لجان مسيرة متعددة الأطراف تضم ممثلين دوليين وإقليميين، إلى جانب ممثلين محليين من الجانبين الفلسطينى والإسرائيلى، والهدف هو تجنب هشاشة الاتفاقات السابقة عبر جدول زمنى واضح وآليات مراقبة ميدانية ذات تفويض تنفيذى، لا مجرد لجان رمزية.

وترى القاهرة أن تثبيت الهدنة يحتاج إلى حوافز مادية، لذا دعت إلى مؤتمر دولى لإعادة الإعمار تحت رعايتها، ينشأ خلاله صندوق رقابة شفاف بمشاركة عربية وغربية لضمان التوزيع العادل للموارد، بهذا تتحول مصر من وسيط سياسى إلى ضامن تنموى، ما يعزز مكانتها كدولة محورية تربط الأمن بالاقتصاد.

وتعمل مصر على تعزيز شراكات أمنية مع الأردن والسعودية والإمارات بهدف احتواء التهديدات العابرة للحدود، وتأمين المصالح الحيوية فى البحر الأحمر وقناة السويس، هذه الاستراتيجية لا تقتصر على البعد العسكرى، بل تشمل تعاونًا استخباراتيًا وتنسيقًا فى مكافحة الإرهاب والتهريب البحرى.

هذه التوصيات تعكس تحول مصر من فاعل وسيط إلى مهندس للاستقرار فى المنطقة، فهى تراهن على منهج مؤسسى واقعى، يجمع بين الدبلوماسية الوقائية، والتنمية الاقتصادية، والأمن الجماعى لضمان أن يكون السلام هذه المرة مستدامًا لا مؤقتًا.

عن admin

شاهد أيضاً

الجامعة المصرية اليابانية تدعم الرئيس السيسي وتفوضه لاتخاذ ما يلزم لحماية البلاد

أعلنت الجامعة المصرية اليابانية للعلوم والتكنولوجيا تفويضها الكامل إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *