لم تعد معركة الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة تدور فقط داخل معامل شركات التكنولوجيا، فخلال عام ظهرت سلسلة من الخطوات التي تقرّب وادي السيليكون من المؤسسة العسكرية والحكومة الأمريكية، من إدخال كبار التنفيذيين في شركات التكنولوجيا إلى قوات الاحتياط، وصولا إلى إعلان الرئيس دونالد ترامب في سبتمبر 2026 عزمه إنشاء ما سماه AI Force وتعيين مسؤول اتحادي جديد للذكاء الاصطناعي.
يقول المهندس علاء الدين رجب، استشاري التحول الرقمي وتطبيقات الذكاء الاصطناعي الصناعية، إن قراءة هذه التطورات منفصلة قد تخفي الصورة الأكبر، فالولايات المتحدة تتحرك نحو دمج الذكاء الاصطناعي في منظومة الأمن والاقتصاد والبحث العلمي، وليس مجرد استخدامه كأداة تقنية جديدة.
ما هي AI Force الأمريكية؟
أعلن ترامب في 19 سبتمبر 2026 عزمه إنشاء «AI Force» وتعيين ما وصفه بـ«AI czar»، لكنه لم يعلن حتى الآن هيكلا مؤسسيا نهائيا أو ميزانية أو صلاحيات محددة للقوة الجديدة، ولم يتضح ما إذا كانت ستكون قوة عسكرية بالمعنى التقليدي، أم كيان اتحادي للتنسيق بين مؤسسات الدولة والقطاع الخاص.
وأضاف «رجب» لـ«الوطن»، أن الإعلان يكشف اتجاه واضح في السياسة الأمريكية، ويتعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره عنصرا من عناصر القوة الوطنية والمنافسة التكنولوجية مع الصين، وليس مجرد قطاع اقتصادي منفصل، لافتا إلى أن القصة بدأت بصورة أكثر هدوءا في يونيو 2025، عندما أنشأ الجيش الأمريكي الوحدة 201، وهو فيلق الابتكار التنفيذي داخل قوات الاحتياط.
وأضاف أن الوحدة ضمت أربعة من كبار العاملين في قطاع التكنولوجيا، بينهم شِيام سانكار من شركة بالانتير، وأندرو بوز بوسورث من شركة ميتا، وكيفن ويل من شركة أوبن إيه آي، وبوب مكجرو، وجرى منحهم رتب عسكرية برتبة مقدم للعمل مستشارين بدوام جزئي، مع احتفاظهم بمساراتهم المهنية المدنية.
وفي يونيو 2026، انضمت دفعة ثانية إلى الوحدة، وضمت مسؤولين تنفيذيين من كلاود فلير وسَتر هيل فنتشرز، إلى جانب مسؤولين سابقين في أبحاث الذكاء الاصطناعي التابعة لفيسبوك.
وقال الجيش إن الدفعة الأولى شاركت خلال عام في ملفات، منها تحليل سلاسل إمداد الذخائر، والقاعدة الصناعية الدفاعية، والأنظمة الذاتية، وتقنيات مواجهة الطائرات المسيّرة.
من السلاح إلى البنية التي تصنع السلاح
وأشار إلى أن الذكاء الاصطناعي مختلف عن كثير من الأسلحة التقليدية، ذلك لأن الطائرة أو الدبابة منتج يمكن شراؤه وتسليمه، لكن نماذج الذكاء الاصطناعي تحتاج إلى بيانات وحوسبة وسحابة وتحديثات ومهندسين وبنية تشغيل مستمرة، ولهذا تصبح العلاقة بين الدولة وشركات التكنولوجيا أكثر عمق، فالقيمة لم تعد في «المنتج» وحده، وإنما في المعرفة والبيانات والبنية التحتية التي تقف خلفه.
وفي نوفمبر 2025 أطلقت إدارة ترامب Genesis Mission بموجب أمر تنفيذي، بهدف دمج الحوسبة فائقة الأداء والبيانات العلمية والمختبرات الوطنية والذكاء الاصطناعي لتسريع الاكتشاف العلمي، وربط البيت الأبيض المبادرة تاريخيًا بمشروعات أمريكية كبرى مثل مانهاتن وأبولو.
لماذا يصعب الفصل بين المدني والعسكري؟
وأوضح رجب أن الذكاء الاصطناعي له تكنولوجيا مزدوجة الاستخدام، فالخوارزمية المستخدمة في تحليل الصور الطبية يمكن تطويرها لأغراض أخرى، وتقنيات الرؤية الحاسوبية المستخدمة في السيارات ذاتية القيادة يمكن أن تدخل في أنظمة مسيّرة، كما يمكن استخدام نماذج تحليل البيانات في مجالات مدنية وأمنية.
وأكد أن هنا تظهر قضية المسؤولية البشرية، عندما تقدم الخوارزمية توصية أو تصنيفا، يبقى القرار النهائي من الناحية القانونية والمؤسسية مرتبطا بالبشر.
جريدة المنطقة العربية رؤية فريدة وتفاصيل حصرية
