أخبار عاجلة
رانيا المشاط
رانيا المشاط

د. رانيا المشاط في جلسة مجلس الأمن الدولي: اضطرابات الملاحة تهدد التنمية.. وفاتورة الأزمة لا تتوزع مناصفة

ألقت الدكتورة رانيا المشاط، وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة والأمينة التنفيذية للجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا «الإسكوا»، كلمة خلال اجتماع مجلس الأمن بصيغة «آريا»، المنعقد في 17 سبتمبر 2026، تحت عنوان «بحار آمنة.. أمن مشترك.. حماية حرية الملاحة في بيئة أمنية متغيرة».

وفيما يلي نص الكلمة كاملًا:

السيدُ الرئيس،

أصحابَ المعالي والسعادة،

أعضاءَ مجلس الأمن الموقّرين،

السيداتُ والسادة،

أتقدّمُ بخالصِ الشكرِ إلى مملكةِ البحرين على مبادرتِها لعقدِ هذه الجلسةِ في هذا الظرفِ الاستثنائيّ، وعلى دعوتِها الكريمةِ للإسكوا للمشاركة فيها.

يتناولُ نقاشُنا اليومَ تحدياً محورياً، ألا وهو صونُ حريةِ الملاحةِ في بيئةٍ يشوبُها تصاعدُ التوتراتِ الجيوسياسية، في ظلِّ ترابطٍ وثيقٍ بين الأمنِ والتنميةِ والتجارةِ والشؤونِ الإنسانية.

وتكشفُ الأزمةُ الراهنةُ في الشرقِ الأوسطِ حقيقةً ظَنَّ البعضُ أنّ التكنولوجيا قد اختصرَتْها، وأنّ العولمةَ قد تجاوزَتْها:

لقد عادت الجغرافيا، وعادتْ بقوّة.

فمن الخليجِ عبرَ مضيق هرمز إلى البحرِ الأحمرِ عبر باب المندب، تتّصلُ البحارُ والمضائقُ والموانئُ في منظومةٍ مترابطةٍ تحملُ الطاقةَ والغذاءَ والتجارةَ إلى العالم.

وإذا اضطربَتْ حلقةٌ واحدة، اهتزّت السلسلةُ برمّتِها.

إنّ الاقتصادَ العالميَّ يعتمدُ اعتماداً كليّاً على أمنِ الملاحةِ عبر هذه الممرات.

وعندما تتعرّضُ هذه المساراتُ للخطر، لا تقتصرُ التداعياتُ على البحرِ فحسب، بل تمتدُّ إلى الموانئِ والمستودعاتِ والأسواقِ والمنازل، فتؤثّرُ على الماليةِ العامة، وأسعارِ الطاقةِ والغذاء، والعمالةِ، وسلاسلِ القيمةِ العابرةِ للحدود وبالتالي تهدّدُ روافدَ التنميةِ الشاملةِ وما يترتَّبُ عليها من آثارٍ اجتماعية.

تداعيات اضطراب الممرات البحرية
وتبرهنُ على هذا، الاضطراباتُ والتطوراتُ الأمنيةُ المستجدّةُ في بابِ المندبِ خلال الأيامِ القليلةِ الماضية، والتي أكّدت المخاطرُ المحيطةُ بالممرات صلتَها المباشرةَ بالسلمِ والأمنِ الدوليين، مما يثبتُ أنّ المساراتَ المساندةَ لا تلغي بالضرورةِ نقاطَ الاختناق، بل قد تنقلُها من مضيقٍ إلى ميناء، ومن البحرِ إلى خطِّ أنابيب.

فتعدُّد الممراتِ لا يضمنُ استمرارَ الإمدادات.. بل تكاملُها هو ما يصنعُ الفارق.

وبينما تبذلُ اقتصاداتُ المنطقةِ جهوداً إصلاحيةً دؤوبةً لتنويعِ هياكِلها الاقتصادية، تأتي الأزمةُ لتهدّدَ بتأجيلِ الاستثمار، وتقليصِ فرصِ العمل، وهدرِ ثمارِ سنواتٍ من الإصلاح.

وبناءً عليه، تروي الأرقامُ والسياساتُ والإجراءاتُ التي اتّخذَتْها بلدانُ المنطقةِ قصّتَيْن:

قصةُ اضطرابٍ حادٍّ تراجعَت فيه حركةُ السفنِ وتدفقاتُ الطاقة، وتعطّلَت فيه المسارات، وارتفعَتْ فيه الكلفة.

وقصةُ منطقةٍ واجهَت التحديَ بما راكمَتْهُ من قدراتٍ ومؤسساتٍ وبنى أساسية، فأعادت توجيهَ الشحنات، وفعّلَت النقلَ متعددَ الوسائط، واستخدمَتْ مساراتٍ بريةً وبحريةً مساندةً قد تمّ الاستثمارُ فيها مسبقاً.

دعوني أبدأُ ببعضِ الأرقامِ الكاشفة:

تتجاوزُ أهميةُ هذه الممراتِ الاعتباراتِ الإقليمية. فمضيقُ هرمز ينقلُ نحوَ خمسةٍ وعشرين (25) في المائة من تجارةِ النفطِ العالميةِ المنقولةِ بحراً، وتسعةَ عشرَ (19) في المائة من تجارةِ الغازِ الطبيعيِّ المُسال. كما تمثّلُ دولُ مجلسِ التعاونِ الخليجي ما بين عشرين وأربعين (20-40) في المائة من صادراتِ الأمونيا والأسمدة والكبريت والألمنيوم. ولذلك، فإنَّ أيَّ اضطرابٍ في المضيق يهدّدُ أسواقَ الطاقةِ ومدخلاتِ الزراعةِ والأمنِ الغذائي.

واسمحوا لي هنا أن أشيرَ إلى رقمٍ لافت. لقد بلغت، حسب تقديرات الإسكوا، كلفة النزاع فقط خلال الشهر الأول من الأزمة مائةٍ وخمسونَ (150) مليارَ دولارٍ، أي ما يعادلُ أربعَ (4) في المائة من الناتجِ المحلي الإجمالي الإقليمي.

السيد الرئيس،

لا يبدأُ التهديدُ عندما يُغلَقُ الممرُّ فحسب، بل عندما يصبحُ المرورُ فيه مخاطرةً لا تستطيعُ شركاتُ النقلِ والتأمينِ تحمّلَها. عندها تتراجعُ الحركةُ قبل إعلانِ الإغلاق، وتصلُ الكلفةُ إلى السوقِ قبل وصولِ الشُحنة، فتنتقلُ الفاتورةُ من السفينةِ إلى المستورد، ومنه إلى المستهلك.

هناك حلقةٌ أخرى لا ينبغي أن تغيبَ عنّا، وهي المؤسساتُ الصغيرةُ والمتوسطة، التي تمثّلُ غالبيةَ مؤسساتِ الأعمال العربية، لكنّها أقلُ قدرةً على تنويعِ المورّدينَ والأسواقِ أو الحصولِ على التمويل. ومع ارتفاعِ تكاليفِ الطاقةِ والشحن، تضيقُ هوامشُها، فينخفضُ الإنتاجُ والتشغيل.

والخطرُ هنا ليس فقط أن تتوقّفَ التجارة، بل أن تعودَ بعد الأزمةِ في سوقٍ أكثرَ تركّزاً مع فرصِ عملٍ أقلّ. فبقاءُ هذه الشركات قضيةُ تشغيلٍ واستقرارٍ اجتماعي، لا مسألةً تجاريةً فحسب.

السيد الرئيس،

إنّ فاتورةَ الأزمةِ لا تتوزّعُ مناصفةً.

فقبَل الأزمةِ، كانت تسعُ (9) دولٍ عربيةٍ من أصلِ اثنتَيْنِ وعشرينَ (22) دولةً تمرّ بنزاعاتٍ أو خارجةً منها، وهي تعاني من تضرّرِ البنيةِ الأساسية، وضيقِ الحيّزِ المالي، وضعفِ المؤسسات، والاعتمادِ على وارداتِ الغذاءِ والوقود. وعندما ترتفعُ أسعارُ الطاقةِ والأسمدةِ والشحن، بسبب تداعياتِ الأزمةِ الحالية، تتراجعُ قدرةُ هذه الدولِ على دعمِ المواطنين، وترتُّ جهودُ التنمية. وبهذا، تتقوّضُ مكاسبُ التعافي والثقةُ بالمؤسسات، فيصبحُ الصمودُ الاقتصادي جزءاً من صمودِ السلامِ نفسه.

إنّ الصراعَ لا يعبرُ الحدودَ بالسلاحِ وحدَه. ولذا، فإنَّ أمنَ الممراتِ ليس غايةً في حدِّ ذاتِه، بل شرطٌ لحمايةِ التنمية.

ومن ثمّ، يجبُ النظرُ إلى الأمنِ البحريِّ باعتبارِه جزءاً أساسيّاً من الأمنِ الجماعي، لا شأناً قطاعياً ضيقاً. فلا تستطيعُ دولة، مهما تعاظمَت قدراتُها، أن تواجهَ هذه التحدياتِ بمفردِها.

ثلاث ركائز لمواجهة الأزمة
السيدُ الرئيس،

يتطلبُ التصدّي للتحدي الراهنِ استجابةً فعالةً ومتّسقة، تقوم على ثلاثِ ركائزَ مترابطة:

أوّلها، صوْنُ حريةِ الملاحةِ وضمانُ سلامةِ السفنِ المدنيّةِ والتجاريةِ وأمنِ الممراتِ البحريةِ وفقاً للقانون الدولي، وهي ركائز للاستقرارِ والتنميةِ بما يحمي تدفقاتِ الطاقةِ والغذاءِ ومدخلاتِ الإنتاج.

ثانيها، منعُ اتّساعِ الصراعِ واحتواءُ تداعياتِه العابرةِ للحدود، بما يحدّ من آثارِه الاقتصاديةِ والاجتماعيةِ والإنسانية.

ثالثُها، تعزيزُ الجاهزيةِ الإقليميةِ والقدرةِ على الصمودِ لحمايةِ الإمداداتِ واستمرارِ الخدمات.

ففورَ اندلاعِ الأزمة، أطلقَت الإسكوا مع الدولِ العربية فريقَ عملٍ إقليمياً للنقلِ واللوجستياتِ وسلاسلِ الإمداد، لمساندةِ الاستجاباتِ وفتحِ حوارٍ فنيٍ حول المرونةِ واستمراريةِ الأعمالِ وإدارةِ المخاطر. ويركّزُ العملُ على استكشافِ آلياتٍ للتنسيقِ والرصدِ المبكرِ، بما يشملُ تطويرَ غرفِ عملياتٍ لإدارةِ الأزماتِ يمكنُ تفعيلُها عند الحاجة، ويرفعُ الجاهزية، ويساعدُ على اتّخاذِ قراراتٍ أسرع.

وهذا يؤكّدُ دورَ الإسكوا في تيسيرِ التفكيرِ الجماعي وبلورةِ الخيارات. فلطالما عملَت الإسكوا على بناءِ القدراتِ وتعزيزِ التواصلِ والتقاربِ في المنطقةِ العربية، من خلال النهوضِ بالتعاونِ الإقليميي، لتحقيقِ الأهدافِ الاقتصاديةِ والاجتماعية وتعزيزِ التكامل بين بلدانِ المنطقةِ العربية.

ودعونا نشيرُ أيضاً إلى أنّه، وبالتوازي، ما زالت المنطقةُ في حاجةٍ إلى مضاعفةِ الاستثمارِ في الموانئِ والربطِ البريِّ والسككيِّ والبحري، وتعزيزِ شبكةٍ متكاملةٍ من المساراتِ الأصليةِ والمساندةِ، تتيحُ للدول، ولاسيّما الأقلِّ قدرةً، خياراتٍ متعددةً لاستمرارِ تدفّقِ السلعِ والإمدادات.

وما يُدار وطنياً يبقى وطنياً، وما يتجاوزُ الحدودَ يحتاجُ إلى تخطيطٍ، وتنسيقٍ، وتعاونٍ إقليميٍ مشترك.

والمنطقُ هنا استباقي. نرصدُ الخطرَ قبل أن يتّسِع، ونحدّدُ نقاطَ الاختناقِ قبل أن تتعطلَ الإمدادات، وننسّقُ التحركَ قبل أن تتحوّل الصدمةُ إلى أعباءٍ تنمويةٍ واجتماعية.

السيد الرئيس،

الجغرافيا تحدّد، لكنها لا تحتِّم.

نستطيعُ أن نجعلَ من قوةِ الموقعِ قوةً في الربط، ومن تعدّدِ الممراتِ قدرةً على الاستمرار، ومن التعاونِ الإقليمي درعاً يحمي التنميةَ من الارتداد.

لقد عادَت الجغرافيا… وعادَت بقوة.

علينا أن نواجهَ قوةَ الجغرافيا بقوةِ التعاون.

فالدرسُ واضحٌ … ما يحدثُ في منطقتِنا لا يبقى محصوراً فيها، وما يحمي استقرارَ المنطقةِ يحمي الاقتصادَ العالمي.

إنّ الأزمةَ الراهنةَ تهدّدُ مكتسباتِ التنميةِ برمّتِها.

علينا الآن تحويلُ النوايا المعلَنة إلى اتّصالٍ فعلي، وقدراتٍ مستدامة، وتقاربٍ دائم.

شكراً، السيدُ الرئيس.

عن admin

شاهد أيضاً

اللجنة المصرية في غزة تنفي اغتيال مديرها وتوضح ملابسات استشهاد محمد فواز الوحيدي

نفى محمد منصور، المتحدث الرسمي باسم اللجنة المصرية في قطاع غزة، صحة ما تم تداوله …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *