
أحوال العرب في قمة الدوحة ٢٠٢٥م .. «كبح جماح العدوان الإسرائيلي»
بقلم /فتحي العفيفي
كلية الدراسات الآسيوية – جامعة الزقازيق
————————————————-
قمة الدوحة 15 سبتمر ٢٠٢٥م للعرب والمسلمين لبحث تداعيات العدوان الإسرائيلي على دولة قطر في التاسع من سبتمبر ٢٠٢٥م، تحت زعم محاولة إغتيال قيادات حركة حماس، والوفد المفاوض، وقد عقد مجلس الأمن الدولي عدَّة جلسات لبحث هذا العدوان، الذي تمت إدانته بالإجماع، من دون أن يصدر قرارًا يشكل عامل ردع حقيقى وفعَّال، فيما خرج المندوب الإسرائيلي متبجحًا بالقول: (أن مجلس الأمن قد أعطى لإسرائيل حق الدفاع عن النفس)، والشاهد أن لغة السجال، والسياسة لن تجدي في مفترق الطرق الذي يمر به العرب، والمسلمين، إذا ما ذهبنا مباشرة إلى أصل المسألة، وبيت القصيد، وهي أننا نعيش مرحلة مفصلية من مراحل الصراع الحضاري الكبير بين الشرق والغرب، والإسلام من جهة، واليهودية والمسيحية من جهة أخرى.
فالرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الأبن الذي هندست مخابراته أحداث الحادي عشر من سبتمبر ٢٠٠١م لتسويغ، وتبرير العدوان على العالم الإسلامي، قد أعلن في حربه المزعومة على الإرهاب: (بأنها إرادة الرب… وأنه قد رأى المسيح في المنام، وكلفه بهذه المهمة الرسالية)، ونفسه دونالد ترامب الرئيس الأمريكي الحالي هو من أصدر قانون جاستا في خريف ٢٠١٦م، ومعناه: (العدالة ضد رعاة الإرهاب) وهي التهمة التي ألحقت زورًا وبهتانًا بالعرب والمسلمين لتشن بمقتضاها ثلاث حروب على ثلاث دول إسلامية كبيرة وهي: أفغانستان، والعراق، والسعودية، ففيما كانت الحرب عسكرية ضروس في الحالة الأفغانية، والعراقية، كانت الحرب على السعودية إقتصادية باستنزاف مواردها في إتفاق عام ٢٠١٧م، وعام ٢٠٢٥م، ليذهب أكثر من نصف مدخولات المملكة، ومعها دولة قطر، والإمارات العربية المتحدة إلى الخزانة الأمريكية، دونما ضربة عسكرية واحدة، وهذا هو جوهر الإحتيال البرئ كحقيقة من حقائق اقتصاديات هذا الزمان: (السيطرة على الأموال، والسلع، والخدمات والبضائع، بالأوراق والمستندات دون عوائق، أو قيود، وبمحض إرادة الزبائن…، وأن الضحية تستحق مصيرها، ولينقذ نفسه من يستطيع!!..(
صحيح أن السياسة والحياة المدنية، والعلاقات الدولية قائمة على تشريعات وقوانين، توافق عليها الفاعلين الدوليين ليست من الأديان في شئ، ولكن لكل عقيدته، وشرعته، ومنهاجه، فالحضارة الأنجلوسكسونية يعتقدون جازمين بأن المهمة الدينية الأولى، والأخلاقية في الحياة الدنيا هي تهيئة الأرض لعودة المسيح ليحكم الألف سنة السعيدة، ونحن المسلمين كأتباع للرسول– صلى الله عليه وسلم– نؤمن جازمين بالأية القرأنية الكريمة: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُم… سورة البقرة، الأية 120﴾، والتماهي مع سياسات الغرب كحلفاء، أو شركاء، أيًا كانت تبريراته، لن تصمد جميعها قيد أنملة أمام هذه الحقيقة الناصعة البياض، التي لا لبس فيها ولا غموض، ما الحل إذا، والتفسير الأخلاقي للصراع، والتنافس، والتدافع يسير على هذا النحو…؟؟؟!!!
إن المشهد العربي/ الإسلامي ليس بالحالة التي يمكنه فيها أن يحدث التغيير المأمول على صعيد تغيير المعادلات، وقد يكون مثل هذا التحدي الكبير هو بحد ذاته مبررًا للاستجابة غير المتوقعة، فالقمة التي تستهدف خلق موقف جماعي سياسي/ إقتصادي/ عسكري ضد الهجوم الإسرائيلي على كل العالم العربي والإسلامي، ومقدراته، فيها من التناقضات، والتباينات، والاختلافات في الرؤى، والتصورات، ما يكفي، فالقمة العربية رقم ٣٤ في بغداد، مايو ٢٠٢٥م، والتي لم يحضرها سوى خمس زعماء فقط، قد أبانت عن عمق الأزمة والجراح، وهي القمة التي لم يحضرها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، كما غادرها الشيخ تميم بن حمد أل ثاني احتجاجًا على إعطاء الكلمة لوزراء خارجية قبل رؤساء دول، وهو معه كل الحق في ذلك، وكانت القمة بغرض مقاومة ورفض مشروع التهجير الفلسطيني، فالوضع العربي والإسلامي عشية قمة الدوحة ٢٠٢٥م يسير على النحو التالي:
- أولًا: مجموعة الدول المعنية مباشرة بالصراع العربي– الإسرائيلي، وهي دول الجوار، والتي تتفاوت في مواقفها السياسية بحسب تقديرات القادة والسياسيين، ومواقفها على النحو التالي:
- مصر هي الدولة المركزية، والتي يقع على عاتقها العبئ التاريخي في المواجهة، وغني عن البيان عدد الحروب التي خاضتها في تاريخ الصراع، هي الدولة التي يطلب منها دائمًا أن تقوم بعمل كل شئ، فيما الأخرون لايقع على عاتقهم أي عبئ، وما يقومون به يكون من باب الدعم، والمساعدة، ومد يد العون فعلوها أم لم يفعلوها لاتثريب عليهم– هكذا في اعتقادهم– لايرون أنفسهم مكلفون بأي شئ، ومصر حاولت بناء استراتيجية دفاعية عن حقوق الفلسطينيين في الضفة والقطاع، الأصل فيها عدم التهجير، أو التوسع في بناء المستوطنات، وكانت شريكًا أصيلًا في كل المفاوضات في الدوحة، وواشنطن، وفي القاهرة، الوزن الجيو– إستراتيجي الكبير الذي تملأه مصر يصعب، بل يستحيل على غيرها تعويضه.
- الأردن وسوريا، ولبنان، فيما تحاول الأردن التماسك في وجه الضغوطات، وتنسق مع مصر لاتخاذ موقف موحد، عندما أعلن عن ذلك الملك عبد الله في لقاءه مع الرئيس الأمريكي، إلا أن سوريا ولبنان يعانيان من جراء سقوط دولة البعث في سوريا، ومن ثم تفكيك الجيش هناك بتراتبيته التاريخية، وبلد تتنازعها الفئويات الطائفية، والمذهبية، والعرقية، وحزب الله في الجنوب اللبناني يحتاج لسنوات للملمة جراحه بعد إغتيال زعيمه التاريخي حسن نصر الله، مع الأخذ في الإعتبار أن سوريا قد دخلت في نفق مظلم من عدوان إسرائيلي على أراضيها والسيطرة على ثلث جغرافيتها، ولا يستطيع جيش الجهاد هناك أن يحرك ساكنًا، وكيف له أن يفعل ذلك، وقادته مدينون للرئيس الأمريكي برفع أسمائهم من قوائم الإرهاب.
- ثانيًا: مجموعة دول الإسناد اللوجيستي، والدعم المادي، والفاعلية الدبلوماسية، وهي دول مجلس التعاون الخليجي حيث تتمتع بعلاقات متميزة مع الولايات المتحدة الأمريكية، وذات وزن إستراتيجي في دوائر صنع القرار في المجمع الصناعي الأمريكي، لكونها من المتعاملين الدائمين معه في عمليات التسليح العسكري، وكانت هذه المجموعة تحاول دائمًا أن تلعب دور الوسيط في النزاعات الإقليمية، وتتقدم في علاقاتها بإسرائيل تحت الضغط الأمريكي، غير أن العدوان الغادر على دولة قطر، قد أسقط عمليًا كل التصورات الإبراهيمية وغير الإبراهيمية في أي تعاون محتمل مع إسرائيل، والقمة بكل ما فيها، لتقديم موقف داعم لهذه المجموعة، حتى لا تتعرض أي من دولها، لما تعرضت له دولة قطر.
- ثالثًا: مجموعة الدول العربية الأخرى مثل: اليمن، والعراق، والسودان، وليبيا، وهذه الدول تعاني منذ أكثر من عقد ونصف العقد من الإنقسام، والتفكك والاحتراب الداخلي، ولن يذهب ممثلي هذه الدول إلى القمة بأية أفكار جديدة، يمكن أن تشكل إضافة للعمل العربي المشترك، بل على العكس سيذهب هؤلاء بحثًا عن حلول لمشاكلهم الداخلية، وعن حلفاء سياسيين، وداعمين عسكريين، ومن ثم قد يذهب أصلًا لهذه القمة رؤساء فصائل، وليس رؤساء دول.
- رابعًا: الدول الإسلامية ذات المشاريع والأطماع في العالم العربي، وهنا تجد إيران بمشروعها القديم الجديد من رغبة الاستحواز على كل ما هو شيعي، فضلًا عن الهيمنة على القرار السياسي في الخليج العربي، ومنازعة المملكة العربية السعودية هذا الحق، وهناك تركيا بالإرث العثماني ومشروع الخلافة أيضًا القديم الجديد، الذي لازالت تلح أنقرة في طلبه، لكن تركيا أصلًا تعاني من انقسام داخلي حاد وعنيف، على خلفية التصعيد ضد المعارضة، وتصعيد المعارضة ضد حزب العدالة والتنمية.
- خامسًا: دول المغرب العربي، وهي تونس والجزائر، والمغرب، وموريتانيا هذه الدول لا تقترب كثيرًا من موضوع الصراع العربي– الإسرائيلي، إلا من باب التضامن العربي، والدعم السياسي، ولا شئ غير السياسي، وذلك بحكم الإرتباط الطويل بالثقافة الفرنسية، والتضخيات التي قدمت هناك للانعتاق من هذا الإحتلال، فهذه بلد المليون شهيد، وعبد القادر الجزائري، وعبد الحميد بن باديس، وبوضياف، فالجزائر مثختة بالجراحات، وتونس تعاني من جراء مشاغبات حركة النهضة الإخوانية، والمغرب تلتزم الانعزال بعيدًا عن الانخراط في التوترات الإقليمية.
- سادسًا: الدول الإسلامية ليست بأسعد حالًا من العرب، فالباكستان التي شن مندوبها الدائم هجومًا حادًا وعنيفًا على إسرائيل من جراء هجومها على قطر، وممارسة الإبادة الجماعية بحق الفلسطينيين في قطاع غزه، لديها صراعها الإقليمي مع الهند الدولة الكبيرة، التي تتنازعها الصراعات الجيوسياسية بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية، وأفغانستان تبني دولتها الطالبانية على عقيدتها، وتغير المناهج التعليمية، وكل ما له صلة بالسياسة، والقانون، والفلسفة، والتفكير الناقد، وماليزيا بلد التنمية الذاتية، المخلصة لتجربتها تتضامن لكن لا تنخرط، حتى في العولمة تتعامل معها بشروطها هي، بلد بنى نهضة على يد قائدها الملهم السابق مهاتير محمد، ومن ثم لن تقدم شيئًا للدول العربية كما هي أفغانستان، وباكستان، والدليل القاطع أن التحالف الذي شمل ٦٠ دولة تقودها المملكة العربية السعودية في حرب عاصفة الحزم في ٢٦ مارس ٢٠١٥م، لكبح جماح التمرد الحوثي في اليمن ضد شرعية عبد رب منصور هادي، لم يتمكن من تحقيق أهدافه، وذهب التحالف، وبقي الحوثيين يصارعون، ويمارسون القرصنة في البحر الأحمر.
- سابعًا: في التقرير الإستراتيجي الآسيوي، الذي صدر منذ أيام قد أولينا إهتمامًا خاصًا للعمل العربي المشترك، بوصفه الحل الوحيد لمواجهة المخططات الإسرائيلية، والأمريكية في أن معًا، والتقرير فيه مافيه من الموضوعات، والقضايا، والإشكاليات العلمية، والمنهجية، لكن أهم قضية يمكن أن تناقش، ونحن على أعتاب القمة رقم ٣٥ بالدوحة في عمر القمم العربية، هي المراجعة الإستراتيجية الضرورية لكل ما قدمته شبكة قنوات الجزيرة، والمركز العربي للأبحاث، ودراسة السياسات، ومركز ابن خلدون للديمقراطية، على مدى أكثر من ربع القرن من مساعدات ومعاونات لوجيستية للمؤامرات، وصناعة الأبحاث، والدراسات، والبرامج، من نقطة ساخنة، إلى الإتجاه المعاكس، وشاهد على العصر، وسخريات فوق السلطة، إلى أخر هذه الأجندة الخارجة عن الأعراف، والتقاليد العربية، من عمليات التفكيك الممنهج، والاسقاط للجيوش، والدول العربية واحدة بعد الأخرى، وعلى وقع التغذية المرتدة ما أن أصيبت دولة قطر بعارض، إلا وقد التف حولها كل العرب، والمسلمين، والدول المحبة للسلام، ويكفي أن نذكر صانعوا الفتنة ممن يسمون أنفسهم نخب عربية، وعلى رأسهم الفلسطيني عزمي بشارة أن دولة قطر ذاتها التي أعلنت عن دستور جديد عام ٢٠٠٣م، ودخلت عالم الإنتخابات لمجلس الشورى قد أقدم الأمير الشيخ تميم بن حمد أل ثاني على إلغاء التجربة في ٢٠٢٥م، عندما وجد أن ذلك يفت في عضد المجتمع ويؤدي إلى البريزماتية، والتناشز بين القبائل، والأسر… ولا يعرف على وجه الدقة واليقين إلى أي حسابات، إذا سيذهب كل هذا الهدر للوقت والجهد للعقل العربي، بعد أن ثبت بالهجوم الإسرائيلي على قطر أن الضربة المرتدة قد وجهت إلى دولة قطر ذاتها، كمن يفقأ عينيه بيده، ليثبت للعالم أنه كان على صواب… وما رأه لم يكن خطأ… وهو عين الخطأ الذي مارسته كل النخب العربية، والعقول التي أجتمعت في هذه المؤسسات البحثية والإعلامية، لتخدم هذه المخططات الهدامة، كيف ستواجه المستقيل بكل هذا الإرث المتعاظم من الإنتاج البحثي الناخر في جسد الأمة العربية…؟؟!!!
خلاصة القول: أن الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية قد سبق وأن دعا إلى تشكيل قوة دفاع عربية مشتركة على غرار حلف الناتو، وذلك منذ العام ٢٠١٥م، والأن يعود هذا الإقتراح بقوة، ليفرض نفسه على واقع هذه القمة، وهو القرار الوحيد، الذي يمكن أن يشكل جديدًا، وفاعلية في العمل العربي المشترك، وإن نجحت كل محاولات الوقيعة والاستقطاب الدولي في الحيلولة دون هذا القرار، تصبح هذه القمة كغيرها، مؤتمر سياسي للكلمات، والخطب، والشجب، والإدانة، لعلها تكون الفرصة الأخيرة، لإنقاذ العرب من المشاريع اليهودية، والأنجلوسكسونية، ومخططاتهم، وسوء تدبيرهم .

جريدة المنطقة العربية رؤية فريدة وتفاصيل حصرية
