

.
زلزال زيورخ وما خفي أعظم.. كيف تحولت “الفيفا” من جمعية خيرية إلى إمبراطورية تحكمها الرشاوى؟
خاص – القسم الرياضي
لم تكن كرة القدم يوماً مجرد لعبة لركل الكرة، بل تحولت خلف الكواليس إلى صناعة تدر مليارات الدولارات. لكن هذا التدفق المالي الهائل أخفى وراءه شبكات عنكبوتية من الفساد، الارتشاء، وغسيل الأموال داخل أروقة الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، وهي الملفات التي تفجرت في وجه العالم لتكشف عن أضخم فضيحة رياضية في التاريخ الحديث.
البداية من السبعينيات: تحويل اللعبة إلى “دجاجة تبيض ذهباً”
بدأت ملامح الفساد المنظم تتشكل مع صعود البرازيلي جواو هافيلانج لسدة الرئاسة عام 1974. نقل هافيلانج الفيفا من مؤسسة تدير الرياضة بأسلوب تقليدي إلى إمبراطورية تجارية ضخمة عبر تسليع حقوق البث التلفزيوني وعقود الرعاية التنافسية.
وتعد فضيحة شركة التسويق الرياضي السويسرية (ISL) الحجر الأساس في كشف هذا النظام؛ حيث أثبتت التحقيقات اللاحقة أن الشركة تدفقت منها ملايين الدولارات كعقود رشاواً سرية ومباشرة لهيفيلانج وأعضاء لجنته التنفيذية مقابل احتكار حقوق البث لبطولات كأس العالم لجيل كامل.
حقبة بلاتر: مدرسة “شراء الأصوات” وبيع المونديال
مع تسلم السويسري سيب بلاتر الراية عام 1998، دخل الفيفا العصر الذهبي “للمركزية الفاسدة”. لم يعد الفساد مجرد صفقات تجارية جانبية، بل تحول إلى أداة سياسية للبقاء في السلطة.
واجه بلاتر اتهامات بإنشاء شبكة ولاءات مع رؤساء الاتحادات القارية عبر توزيع “مكافآت وتبرعات” نقدية غير مراقبة. برزت في هذه الفترة أسماء مثل جاك وارنر (رئيس اتحاد الكونكاكاف السابق) ومحمد بن همام (رئيس الاتحاد الآسيوي السابق) كلاعبين رئيسيين في توجيه الأصوات لصالح بلاتر في الانتخابات، أو لصالح دول بعينها أثناء التصويت الحاسم لملفات استضافة كأس العالم، لاسيما مونديال جنوب إفريقيا 2010، ومونديالي روسيا 2018 وقطر 2022.
مايو 2015: الـ FBI يقتحم فندق “بورأولاك” ويسقط الإمبراطورية
في فجر يوم 27 مايو 2015، استيقظ العالم على مشهد درامي غير مسبوق؛ عناصر الأمن السويسري، وبتنسيق كامل مع مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي (FBI) ووزارة العدل الأمريكية، يداهمون فندق “بورأولاك” الفخم في زيورخ قبيل انطلاق المؤتمر السنوي للفيفا.
أسفرت المداهمة عن اعتقال 7 من كبار المسؤولين التنفيذيين للفيفا في ملاءات أسرتهم البيضاء، ووجهت لائحة اتهام أمريكية تاريخية شملت الارتشاء، والاحتيال الإلكتروني، وغسيل الأموال بقيمة تجاوزت 150 مليون دولار. أدت هذه الهزة الأرضية إلى تنحي سيب بلاتر بعد أيام قليلة من إعادة انتخابه، ثم تلا ذلك قرار لجنة الأخلاق بإيقافه مع حليفه اللدود ورئيس الاتحاد الأوروبي آنذاك، ميشيل بلاتيني، عن ممارسة أي نشاط رياضي، ليسقط الستار على أعتى حقبة في تاريخ المنظمة.
ما بعد الزلزال: هل تطهرت كرة القدم حقاً؟
في عام 2016، انتخب السويسري جياني إنفانتينو رئيساً جديداً للفيفا حاملاً شعار “الإصلاح والشفافية”. اتخذ الاتحاد الدولي بالفعل خطوات هامة لتفكيك البيئة الخصبة للفساد، ومن أبرزها:
-
- علنية التصويت: إلغاء نظام اللجنة التنفيذية المصغرة والمغلقة (24 عضواً) في اختيار منظم المونديال، وتحويله إلى تصويت علني تشارك فيه كافة الدول الأعضاء البالغ عددها 211 دولة.
- الرقابة المالية المشددة: فرض معايير حوكمة صارمة على طريقة توزيع وتتبع المساعدات المالية الموجهة للاتحادات المحلية لمنع استغلالها كأدوات انتخابية.
ورغم هذه الجهود، يرى العديد من النقاد الرياضيين والمحققين أن الفساد في عالم كرة القدم لم ينتهِ، بل تحور ليأخذ أشكالاً أكثر تعقيداً وقانونية، مما يجعل ملف النزاهة في الفيفا تحت مجهر الرقابة الدولية الدائمة.
جريدة المنطقة العربية رؤية فريدة وتفاصيل حصرية
