أخبار عاجلة
الدكتور/ فتحي العفيفي
الدكتور/ فتحي العفيفي

د.فتحي العفيفي يكتب : الأب والإبن.. مصر في أحاديث الشرع وفقه الدولة

الأب والإبن.. مصر في أحاديث الشرع وفقه الدولة

بقلم/ فتحي العفيفي

كلية الدراسات الآسيوية – جامعة الزقازيق

——————————————–

في يوم الجمعة السادس والعشرون من سبتمبر ٢٠٢٥م، سمحت سلطة الأمر الواقع في سوريا بخروج مظاهرات، وهتافات معادية للدولة المصرية من المسجد الأموي في دمشق، وهي التي لا تسمح لدبيب النمل أن يمر، دون أن يستأذن جحافلها الذين ينساحون في عموم ما تبقى من جغرافية سوريا بحثًا عن الثأر، والإنتقام، والتنكيل بفلول النظام البائد، وفي المعية كل من يفكر في مقاومة نزعة الهيمنة على مقدرات البلاد.

في هذه الأثناء كنت قد استمعت إلى شهادة والد أحمد الشرع على التاريخ، عبر بودكاست قناة العربي القطرية التابعة للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ورئيسه الفلسطيني عزمي بشارة، الذي يحقد على مصر إستقرارها، وأمنها، وهالني ما رأيته من بون شاسع بين رؤية الأب الحكيم المتمرس، وصنيع الإبن الذي تقاذفته الأمواج، ورياح التغيير التي عصفت بالمنطقة، ورأيت أنه من الواجب والأمانة العلمية إبراز هذا التناقض الكبير، لإستجلاء العبر والدروس، فلا يوجد خير من يرد على إفتراءات وتصرفات الشرع الإبن إلا أبيه، وذلك على النحو التالي:

  • يقول السيد الدكتور/ حسين الشرع الأب بأنه ينتمي إلى قرية جيبين بالقرب من الحدود مع بحيرة طبرية، وأنه لاينتمي إلى عائلة الشرع المعروفة، وإنما هي كنية قد لحقت بعائلته، لأن جده المباشر كان قد درس بالأزهر الشريف، وصار يفصل بين الناس في منازعاتهم بالشرع، وقد جرى على لسانهم حين قدومه لأي تجمعات: (أن قد جاءكم الشرع) في أول تأثير مصري مباشر على أحمد الشرع وعائلته، وقال: “نحن نختلف عن عائلة فاروق الشرع، الذي كان وزيرًا لخارجية سوريا”.
  • صرح بأنه قد إلتحق بالفكر والمشروع الناصري، وكنت من أشد مؤيدي الوحدة مع مصر، لما رأيته من أشياء ملموسة، تغيرت فيها وجه الحياة في بلادنا، حيث تم زفلتة الطرق بعد تعبيدها لأول مرة، وأن الناس كانوا يشربون من البحيرات/ الينابيع مباشرة، وما بها من ديدان وحشرات مؤذية، فجاءت مصر إليهم بشركة المقاولين العرب، لبناء الأنابيب، والخزانات المعقمة، والمغطاة، بكل قرية وكل مدينة، كما تم تخصيص باصات لنقل تلاميذ وطلاب المدارس من القرى إلى المدن لأول مرة في سوريا، وكان بعضها سيارات من الجيش المصري.
  • تم بناء العديد من المدارس الإعدادية، والثانوية، بعد أن كانت في بيوتات الأهالي، وإفتتح المشير عبد الحكيم عامر مجموعة هائلة من المدارس في عموم القطر السوري، كما أرسلت مصر أوائل خريجيها للتدريس في المدارس السورية، لإحداث نقلة نوعية في مستوى الطلاب، وتحصيلهم الدراسي، وعرفت سوريا لأول مرة شيئًا أسمه عيد العلم، وصار يُحتفل به سنويًا منذ عهد الوحدة.
  • بناء المستوصفات، والمستشفيات الكبرى، بعموم سوريا، منها مستوصفات عسكرية، كما أدخلت مصر إلى سوريا سلطة الدرك، والمحاكم المختصة على تنوعها، وأنتهت الرشاوي، والفساد على يد عبد الحميد السراج المعين من سلطة الوحدة.
  • تذمر الضباط السوريين من الضابط المصري، لأن الضابط المصري جاد ومنضبط، وملتزم، بينما السوري لا يجيد سوى حجب الناس عن المسؤول، لذا صار يُعرف في الفولكلور السياسي السوري بلقب :(الحاجب)، وقد قاد التذمر في صفوف الضباط السوريين إلى الإنفصال عن الوحدة.
  • حاول مقدم البرنامج مرارًا توجيه السيد حسين الشرع نحو أخطاء في الحقبة الناصرية، إلا أن الأب الشرع كان حكيمًا، وقال لايوجد نظام في العالم يسير دائمًا على السوية، لابد من أخطاء، لكن عبد الناصر قام ﺑ : (تمصير البنوك- بناء مدينة صناعية كبرى- بناء السد العالي- تأميم قناة السويس)، وبعد الإنفصال عادت الفوضى إلى سوريا، ما حمل الناس على الخروج في تظاهرات عارمة، مطالبين بعودة الوحدة، وكان هناك عام ١٩٦٣م فكرة لإتحاد ثلاثي بين مصر، والعراق، وسوريا، لكن الإتجاه البعثي، قد خطف الدولتين إلى حيث الإبتعاد عن مصر.
  • ثم توالى حديث الدكتور حسين الشرع عن معاناته وسجنه، وترحاله مابين سوريا، والأردن، والعراق، حاملًا المشروع الناصري في ضميره، ووجدانه، ولم تخرج من لسانه كلمة إساءة واحدة ضد مصر، ولا يحمل لها، إلا كل تقدير وإحترام وإقرارًا بالفضل على عموم سوريا، وهو الدور الذي لازالت تضطلع به حتى اليوم.

يعد حديث الأب حسين الشرع– بحد ذاته- بمثابة عمل توثيقي يرد على المشككين في جدوى الناصرية، وهو الذي عاش في المملكة العربية السعودية لسنوات عديدة، إذ لازالت قناة العربية تستكمل توجهها ضد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وفي: (التقرير الإستراتيجي الآسيوي)، قد ألمحنا إلى أن محاولات ضرب النموذج والكاريزما في التاريخ العربي المعاصر لن تجدي نفعًا، والمواجهة الممتدة ضد شخص متوفي عمل غير أخلاقي، فضلًا عن أنه يعطي إنطباعًا عكسيًا ضد من إستهدفوه، وإيجابيًا لمشروعه المقاوم للإمبريالية الغربية على تنوعها، لازال الثابت شبه الوحيد هو أن قديم بعض العرب كجديدهم ذات الذهنية، ونفس الداء، يريدون لمصر أن تحارب وحدها مثلهم كمثل قوم موسى من بنو إسرائيل قد قاتل بالرأي:

﴿… فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ… سورة المائدة، أية ٢٤﴾

موكب الشرع المبالغ فيه

أكبر موكب رئاسي في العالم

بالتالي، لم تكن الهتافات المشار إليها أعلاه ضد مصر في ٢٦ سبتمبر ٢٠٢٥م، إلا تعبيرًا صارخًا عن إحتقان دفين من سلطة الشرع الإبن ضد مصر، ورئيسها، وشعبها، إذ لازالت الدولة المصرية هي الدولة العربية الوحيدة، التي تقاوم ضد : (الغطرسة الأمريكية- والصلف الإسرائيلي- والإرهاب وفصائله) في سلسلة مؤامرات الإخوان، ومن هم على شاكلتهم بالخارج، ما إستدعى ضرورة فتح ملف التنظيمات الإرهابية من بقايا القاعدة، والدواعش والفصائل، لمساءلة الهزيمة النفسية في وجدان الضمير العربي.

  • كحالة بعض الشباب التائه فكريًا، وعقائديًا في بدايات حياته، خرج أحمد حسين الشرع من سوريا عام ٢٠٠٣م، ليقاتل في صفوف تنظيم القاعدة، والمغامرين العرب ضد القوات الأمريكية التي غزت العراق، وأسقطت حكم البعث، وصدام حسين، ثم عاد إلى سوريا ثم العراق في العام ٢٠٠٥م، وفي ١٤ مايو من العام نفسه، أعتقلته القوات الأمريكية، وقد أسمى نفسه أسمًا مستعار: (أمجد مظفر حسين النعيمي)، وفي سجون العراق إلتقى شخصًا يدعى أبو عمر سراقب، والذي نصحه بأن يكون له مشروعًا، يختلف عن حالة الفوضى، التي ضربت الحركات الإسلامية التي تدعي الجهاد، وأن بدايته الحقيقية ستنطلق من إدلب.
  • في العام ٢٠١١م، وعلى وقع الفوضى العربية الكبرى، فُتحت السجون بالعراق، كما بغيره من الدول العربية، فعاد أحمد الشرع إلى سوريا، هرب من قبضة المحاكمات، ليؤسس جبهة النصرة عام ٢٠١٤م، ثم ٢٠١٦م يتحول إلى فتح الشام، فهيئة تحرير الشام، وجعل هدفه هو الوصول إلى حكم سوريا، من دون أن يولي المشروع الإسلامي، وأحكامه، وحكمه أي إهتمام، فالرجل الذي لم يكمل تعليمه المدني العادي، وليس فقيهًا في الدين، ولا صاحب مشروع واضح المعالم جرفته الأقدار، وتقاذفته التطورات، وكان يجد ضالته دائمًا في كونه قائد/ أمير/ زعيم  لجماعة من المغامرين، قد قررت إطلاق اللحى، والتغير في الهيئة حسب مقتضيات الظروف والأحوال 
  • لابد من القول، أن وصول فصائل الشرع للحكم في سوريا بتاريخ ٢٩ يناير ٢٠٢٥م، لا يعزى إلى قوته وجماعته، بإقراره هو ذاته، وإنما للضعف والإنهيارات بداخل نظام بشار الأسد، على قاعدة ظاهرة السرطان الزجاجي، حيث تجد بأم عينيك زجاجًا يتهشم من تلقاء نفسه إلى حبيبات متناهية الصغر، من دون أي طرق أو مؤثر خارجي، وإنما لفساد متعاظم متفاعل كيميائيًا، وبإضطراد، يحدث هذا التهشم المفاجئ، فالبعث السوري كان قد وصل منتهاه، ويحمل بداخله عوامل فناؤه الذاتي، لأسباب عديدة عرفها القاصي، والداني.
  • كان استتباب الأمور للشرع ورفاقه بالداخل السوري، قد جاء ضمن حسبة إستراتيجية، رعتها المملكة العربية السعودية، ودولة قطر، تقوم على إعتبار أن إنتقال سوريا الرسمية من المحور الشيعي إلى المحور السني هدفًا بحد ذاته يستحق التضحيات، وهو نفس التوجه الأمريكي بإخراج سوريا من الحلف الروسي إلى الأمريكي، هذا فضلًا عن أن المرحلة الإنتقالية بحد ذاتها، قد أتاحت لإسرائيل تدمير القدرات العسكرية السورية بالكامل، واحتلال ثلث جغرافية سوريا، فيما تركيا قد رعت مشروعًا، قد يمهد لها السبيل للسيطرة الأيديولوجية، والعودة للإرث العثماني، فإذا بالسعودية قد سبقتها، وفي المعية أثارت تصرفات النصرة نعرات القبائل، والعشائر، والجهويات، من حركة قسد، والعلويين، وغيرهم، فتهشمت جغرافية سوريا إلى جهويات متناحرة، متنازعة.
  • كعادة الإخوان، والتيارات المتأسلمة نظمت الجماعات المؤدلجة في الولايات المتحدة الأمريكية استقبالات مصنوعة من التهليل، والتكبير، والصياحات، والهتافات، لرجل لازال مطلوبًا للعدالة الدولية، وعلى قوائم الإرهاب، لتشكل الدورة الثمانون للجمعية العامة للأمم المتحدة من ٢٣- ٢٩ سبتمبر ٢٠٢٥م، حدثًا فريدًا من نوعه: (إرهابي يحاضر في الأمم المتحدة)، حيث حصل على إذن شخصي من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لدخول الولايات المتحدة، وهو نفسه الجولاني، الذي اُنتقد من قبل علاقة الدولة المصرية بالولايات المتحدة الأمريكية، فإذا به يرتمي في أحضان ترامب والأمريكيين يعبثون بلحيته، ويلتقيه رئيس المخابرات المركزية الأمريكية الأسبق في حوار تليفزيوني، وقد كان مكلفًا باحضاره إلى سجون جوانتنامو قبل عقد من الزمان.

من هذا المنظور، يسجل التاريخ المعاصر، خبراته، وتجاربه، بأن الفصائل لا تبني دولًا، ولا تقيم حجرًا على حجر، يستوي في ذلك: (حزب الله اللبناني، وجماعة الحوثي، والإخوان، وحركة النهضة التونسية، وقوات فجر ليبيا في طرابلس، وحركة حماس الفلسطينية)، للأسباب التالية:

  • أن هذه الفصائل والجماعات لاتتمتع بالخبرات العلمية والمراكمة الحضارية، اللازمة للإدارة، والحكم والسياسة، فهي لديها نظرة شوفينية ضيقة ومحدودة، وتضيق ذرعًا بالرأي الأخر، وتعتبره معاديًا، فتقوم عليه بالقدح، والذم، والقتل، والتنكيل، وتعتبره معاديًا للمشروع الإسلامي.
  • تتملكها عصبية التمكين لأعضائها ومنتسبيها، حتى إذا كان جاهلًا، وغير متمرس في مهنة ما، فأهل الثقة مقدمون على أهل الكفاءة، وهذه هي أفة النظم الدوغمائية، أن يولى الأمر لغير أهله، فتشيع المظالم، ويعم الفساد، ويضج الناس بالشكوى ويكونوا أقرب إلى الثورة، والفتن، والخروج على النظام العام.

برجماتية الشرع الإبن، عدم الثبات على موقف

التقلب حسب مقتضيات كل مرحلة

السلطة هدف، وما عداها وسيلة حتى الدين..!!

  • إختزال الدولة بمواردها، ومؤسساتها، ومدخولاتها في شخص الجماعة الحاكمة، فالذي كانوا يثورون ضده من مظاهر البذخ، والثراء، يقومون بتقليده بحذافيره، تحت زعم مظاهر الوجاهة، وهي أولى مراحل تثبيت السلطة والحكم .

شتان مابين الأب والإبن، الأب الذي تربى على التجربة الناصرية المصرية، وما أحدثته من نقلات نوعية في بلاده سوريا، وظل وفيًا لها حتى الأن، وكان أمينًا في وصفها، وبين الإبن الذي خرج من عباءة الإخوان،  والقاعدة، وداعش، والنصرة، الأب الذي خرج في تظاهرات، لعودة الوحدة مع مصر، لعودة الإنضباط، والنظام إلى بلاده، والإبن الذي سمح بخروج تظاهرات ضد مصر، لكونها لا تقر حكم الفصائل، ولا تشجع عليه، وتنادي مصر بوحدة الدول خلف جيوشها الوطنية …

صفوة القول: أن الأب الدكتور حسين الشرع قد قاتل بالرأي والكلمة ضد المذيع الموجه في الحوار- المشار إليه أعلاه- من أجل أن يقول: (أن مصر علمتنا، بل علمت كل العرب فقه الدولة، معنى الدولة، كيف تكون الدولة)، بينما الإبن أحمد الشرع، الذي لم يستفد من تجربة أبيه، ومن أجل السلطة، قد خرجت عليه جموع من الفصائل بالداخل، وسمح للقوات الإسرائيلية لأن تهدم في بلاده كل معالم الدولة…!!!

شتان مابين الأب… والإبن!!!

عن admin

شاهد أيضاً

عناوين مكاتب تنسيق القبول في الجامعات والمعاهد بالمحافظات

تنسيق الجامعات 2026.. طريقة التقدم والقبول بكليات الجامعات الخاصة والأهلية

مع قرب إعلان نتيجة الثانوية 2026، وإتاحة الجامعات الخاصة والأهلية التقدم للالتحاق بها ، يتساءل طلاب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *