هي أشياء لا تُشترى…!!!
القوة الذكية المصرية على عرش اليونسكو

بقلم/ فتحي العفيفي
كلية الدراسات الآسيوية – جامعة الزقازيق
قدم جوزيف ناي تعبير القوة الذكية كمفهوم متقدم عما طرحه سابقًا عن القوة الناعمة، والقوة الصلبة، بحيث رأى أن القوة الذكية للدولة تقوم على قدرتها في صناعة مجال إستراتيجي عالمي، يستند إلى النفاذية في الثقافة، والفنون، والآداب، مع عدم التفريط في أدوات القوة الصلبة من تسلح، وتدريبات، وقوة عسكرية شديدة البأس، تكون قادرة على حماية جيو سياسية الإستحواز الناعم المضطرد، فالقوة الذكية بحسب المدرسة الواقعية في مجالات العلوم السياسية تجمع بين القوة الناعمة والصلبة في أن معًا، وهذا ما حققته الدولة المصرية لسنوات عديدة في مجالات مختلفة: (القدرة على الإقناع بالنموذج، ونسج تحالفات قوية، ودبلوماسية فعَّالة، وإعلام قادر على حماية المكتسبات، ورقمنة ذكية للإدارة، ونخبة تستطيع التعامل مع ثورتا: الأنفوميديا والهايبرميديا).
فيما يعد أكبر إنجاز للدبلوماسية المصرية في ربع القرن الأخير على المستوى العالمي، وإنجازًا جديدًا يُضاف إلى سلسلة الإنجازات في العديد من المجالات، فقد فازت مصر بمنصب المدير التنفيذي لمنظمة اليونسكو لمدة أربع سنوات، من خلال مرشحها الأبرز الدكتور خالد العناني، الذي حصل على ٥٥ صوتًا من مجموع أصوات ٥٧ دولة، ما يعد أكبر نسبة تصويت حصل عليها مرشح في تاريخ المنظمة، البادئ عملها في العام ١٩٤٥م.
- في العام 2016م، سبق وأن ترشح لهذا المنصب الرفيع الوزير القطري المرموق حمد بن عبد العزيز الكواري، ورغم حجم الإنفاق الذي رصدته دولة قطر لهذا المنصب، إلا أن المسؤول القطري، قد حصل على ٢٨ صوتًا من مجموع ٥٨، ولم يُكتب له الفوز برئاسة اليونسكو.
- كانت هناك محاولات مصرية، وعربية سابقة للفوز برئاسة اليونسكو، قام بها الشاعر السعودي غازي القصيبي، ومن مصر: إسماعيل سراج الدين، وفاروق حسني، ومشيرة خطاب، وآخرون كثر من الدول العربية، إلا أن أي منهم لم يحظ بشرف تمثيل العرب في هذا المحفل الحضاري الإنساني العالمي الكبير .
- الدكتور خالد العناني قد حظي بدعم كبير من:
فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية
ووزير الخارجية الدكتور بدر عبد العاطي، ودولة رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي، وجميع أجهزة الدولة، قد خاضت هذه المنافسة منذ العام ٢٠٢٣م، والجميع كان قد عمل على إبراز السمات الشخصية، والعلمية، والمهارات، والخبرات التي يتمتع بها المرشح المصري، والتي يمكن تلخيصها فيما يلي :
- أن الدكتور خالد العناني، الذي ولد في ١٤ مارس ١٩٧١م، قد تخرج من كلية السياحة والفنادق، جامعة حلوان، وتخصص في الإرشاد السياحي.
- حصل على درجة الدكتوراة في علم المصريات من جامعة بول فاليري مونبلييه في فرنسا.
- عُين وزيرًا للأثار في مارس ٢٠١٦م، ثم وزيرًا للسياحة والأثار بعد دمجهما عام ٢٠١٩م.
- من أعماله: تطوير المتحف المصري الكبير، وإفتتاح المتحف القومي للحضارة المصرية، وموكب المومياوات الملكية، الذي شهد نقل عدد من الملوك والملكات لمصر القديمة إلى متحف الحضارة في الفسطاط، في حدث لقي تغطية عالمية واسعة.
- سيكون المسؤول المصري الكبير متربعًا على عرش اليونسكو لمدة أربع سنوات قادمة، من مقر المنظمة في باريس، قائمًا على تعزيز التعاون الدولي في مجالات التعليم، والعلوم، والثقافة، والمعلومات، وحماية التراث العالمي، ودعم حرية التعبير، وتحسين جودة التعليم، والنهوض بالتنوع الثقافي واللغوي، وقيم الأنسنة والتعاون في مجالات تبادل الخبرات العلمية، في كل ما له صلة بدعم وتطوير المكونات الحضارية بين دول العالم.
سبق وأن حازت مصر على مناصب عالمية رفيعة المستوى مثل: منصب الأمين العام للأمم المتحدة، عن طريق وزير الخارجية المصري الأسبق الدكتور بطرس بطرس غالي، وترأس أيضًا المنظمة الفرانكفونية، كما ترأس السفير محمد البرادعي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وقد تحصل الأخير على جائزة نوبل للسلام، فيما الأول قد ساعد الرئيس الراحل محمد أنور السادات على الفوز بجائزة نوبل للسلام أيضًا، بمعنى أن المصري إذا ما أُعطي فرصة في المناصب الدولية دائمًا، ما يقوم بعمله بكفاءة واقتدار .
إن فوز مصر بهذا المنصب الرفيع له دلالات سياسية عميقة أهمها:
- أن دولة الفائز بالمنصب تتمتع بسمعة عالمية في مجالات الثقافة، والتراث، والتعليم، وقد حققت جامعاتها، ونظمها المعرفية على تعددها إنجازات خلاقة، ساهمت في رفاهية الشعوب، ودفعها نحو التقدم، أي أن الإبيستمولوجي الذهبي عن الدولة يؤهلها لهذا المنصب الدولي الرفيع.
- أن النظام السياسي لهذه الدولة الفائزة يتمتع بالمصداقية، والتقدير من المجتمع الدولي، وأنه لم يورط بلاده في مغامرات إقليمية، رغم كل التحديات المحيطة به، من جوار مُلتهب من كل إتجاه، بل على العكس تحاول إستيعاب المشكلات، وتقوم بوساطات لرأب الصدع بين الفرقاء.
- أن هذه الدولة الفائز مرشحها تتمتع بالإستنارة، وحرية التعبير، والتعايش السلمي بين مكونات الشعب، وإستيعاب أعداد هائلة من شعوب الدول المنكوبة، وسمحت بدمجهم بين الشعب المصري دون تمييز أو تفرقة.
- أن مصر قامت بأدوار مقدرة،على صعيد تخفيف معاناة الشعب الفلسطيني في غزه، وقاومت كل مخططات التهجير الأمريكية- الإسرائيلية رغم العنت، والعنفوان، والصلف، وهي دولة محبة للسلام، وكل ما يشجع عليه، وكانت سباقة في هذا المضمار منذ العام 1979م.
- أن مصر حافظت على قيم اليونسكو، ومكوناتها الثقافية، والحضارية، عندما لم تسمح للأناركية بالعبث بالمتاحف، والمجامع العلمية، في أحداث الفوضى من عام ٢٠١١م وحتى العام ٢٠١٣م، واعتبرت التراث العالمي من أهم أولويات الأمن القومي المصري، ووقف جيشها يدافع عن كل ما له صلة بالتراث، والمعرفة، والعلم، والقيم الإنسانية، فهي بلد كوزموبالتي بإمتياز.
- أن مصر صاحبة مشروع كبير في الحرب ضد الإرهاب وتنظيماته، وفصائله، وهذه الجماعات الظلامية هي ألد أعداء اليونسكو، ويعمدون إلى تحطيم التراث وحرق الكتب، والعدوان على كل مكونات الحضارات السابقة، فكيف إذا لا تكافأ مصر بهذا المنصب الرفيع…؟؟!!
- بين مصر وبلد المنظمة فرنسا الكثير من الصلات الثقافية والحضارية، لعل الشاهد عليها اﻟ ٢٠ مجلدًا من كتاب “وصف مصر”، الذي يحكي كل ما رأه الفرنسيون في مصر فترة الحملة الفرنسية حتى العام ١٨٠٢م، ولعل هذا المنطلق كان بداية إنطلاقة مصر الحديثة نحو العلم الحديث، فكانت بدايات النهضة العلمية جنبًا إلى جنب على نحو ما شهدته أوربا، وفي ذلك العديد من المؤلفات، إلى أن كانت بداية القرن العشرين، حيث: إنطلاق المدارس، والجامعات، والمسارح، والسينما، والفنون على تنوعها، والموسيقى، والأغاني، وجيل الرواد، جنبًا إلى جنب مع الأزهر الشريف، والكنيسة المصرية، في تنوع حضاري شهد له العالم بالريادة، فضلًا عن تأثير كل ذلك على عموم الدول العربية، بحيث يشعر الباحث المدقق أن اليونسكو كمنظمة، أرادت أن تكافئ مصر بهذا المنصب، على كل ما قدمته للإنسانية من إزدهار وتطور، ويمكن مطالعة بعضًا من ذلك الثراء المعرفي في مكتبة الإسكندرية العريقة، ودار الأوبرا، ومعاهد الفنون على تنوعها وتعددها.
- اليونسكو المعنية بالتربية، والعلوم، والثقافة، كانت بحاجة لأن تثبت للعالم إنتمائها الحضاري للأنسنة، وإنحيازها المطلق لتوفير فرص عادلة بين الدول الأعضاء، وإعلاء قيمة الإنجاز، والفاعلية على صعيد الثقافة، والعلم، والتنوير، عندما يصوت الأعضاء بالتنسيق مع النظم السياسية لدولهم للدولة المصرية الدولة العربية، الأفريقية، ذات الإمتداد الآسيوي، البحر متوسطية، ودولة البحر الأحمر، والمجاورة لإسرائيل، وتدير علاقتها معها بأعلى درجات ضبط النفس منذ العام ١٩٧٩م، والدولة المحورية للولايات المتحدة الأمريكية، والصديقة لروسيا، والصين، والإتحاد الأوربي، دولة التوافق، والاستقرار، والتعايش، والسلام، ومن ثم لم يجد الدكتور أيمن عاشور وزير التعليم العالي ممثل عضوية مصر في المكتب التنفيذي لليونسكو، كبير عناء في إبراز هذا التنوع، والصورة المشرقة، والحضارية بالتنسيق مع الخارجية المصرية في هذه المعركة الدبلوماسية، التي إمتدت لأكثر من ثلاث سنوات، تم فيها التعريف بقيمة المرشح المصري، وقدراته على تولي هذا المنصب الرفيع، فالعولمة لا تعترف إلا بالتنافسية الحقة، والقدرة على إختراق الحواجز والحدود دون قيود، أو عوائق، أو أطر ذهنية مسبقة.
- من ملامح هذا الفوز المصري الكبير أيضًا، وفي الصوره الذهنية عن مصر تقدير العالم للعلماء المصريون، وعلى رأسهم الدكتور أحمد زويل الحائز على جائزة نوبل في الكيمياء، ونجيب محفوظ الحاصل عليها في الآداب، ومؤثرين مصريون أخرون، مثل السير مجدي يعقوب جراح القلب العالمي، والدكتور محمود محيي الدين ومنصبه الرفيع في الإقتصاد، هذا فضلًا عن أعداد كبيرة من العلماء في كافة التخصصات.
- يقيمون من حولنا المهرجانات، والمواسم الإحتفالية، ويتم شراء أفخم الملاعب الرياضية، وإستقطاب أفضل اللاعبين، ويطعننا بعضهم في الظهر، حيث ألغى أحمد الشرع الإحتفال بمناسبة السادس من أكتوبر ١٩٧٣م، لمساعدة أخرين في محاولة سرقة المكانة والمركزية العربية للقرار العربي، ثم تأتي المكافأة من الله عز وجل على الصبر والإحتساب، بعد العمل، تأتي المكافأة من بعيد من المراكمة الحضارية للفاعلية المصرية دون كلفة باهظة، أو ضوضاء، هي قوة مصر الناعمة على عرش اليونسكو التي تعلن عن نفسها، كلما استدعت الضرورة ذلك، هي القوة الذكية التي تلخص شخصية مصر.
هي القيمة، والعراقة والتاريخ، الذي هزم كل التلاسنات المريضة ضد مصر والحروب السيبرانية، عبر كل وسائل التواصل الإجتماعي الحديثة، وتأبى مصر إلا أن تثبت للعالم أنها الدولة القوية المسؤولة الفاعلة في التاريخ، والحاضر، والمستقبل،،،
“هي أشياء لا تُشترى”… بتعبير الشاعر المصري أيضًا أمل دنقل
حفظ الله مصر
)رئيسًا، وجيشًا، وأرضًا، وشعبًا)
جريدة المنطقة العربية رؤية فريدة وتفاصيل حصرية
