على طريق «الدواويس» بمحافظة الإسماعيلية شرقي مصر، كان الفجر يلملم بقايا العتمة حين انطلقت شاحنتان صغيرتان تضمان في متنيهما أطفالًا وشبابًا غادروا بيوتهم البسيطة سعيًا وراء قوت يومهم في المزارع، غير أن الموت كان يربض لهم على جنبات الطريق.
في لحظة خاطفة، تبددت فرحة الصغار، وانطفأت أحلامهم الباكرة تحت وطأة المأساة، وتحول سعي العمال إلى فاجعة حصدت أرواح ما لا يقل عن 18 شخصًا، غالبيتهم من الأطفال، تحت حطام المركبتين، ليعودوا إلى ذويهم في صناديق خشبية يوارون فيها الثرى قبل أن تتفتح زهور صباهم.
ولم تكن مأساة الإسماعيلية سوى امتداد لفاجعة أخرى وقعت على الطريق الإقليمي بنطاق مركز أشمون في محافظة المنوفية، في يونيو حزيران 2025، حيث لقيت 19 فتاة مراهقة من العاملات باليومية حتفهن وأصيبت اثنتان أخريان، إثر تصادم مباشر ناجم عن السرعة الزائدة بين شاحنة نقل ثقيل وحافلة صغيرة ميكروباص كانت تنقلهن من قرية كفر السنابسة إلى مزارع العنب.
رحلات بلا عودة
خلف كل رقم تسطره دفاتر الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، هناك حكايات لم تكتمل، وأسر ارتدت السواد بعد أن انتزعت الطرقات أحباءها بغتة.
ولا تطرح البيانات الإحصائية الصادرة في النشرة السنوية لنتائج حوادث الطرق لعام 2025 مجرد أرقام باردة، بل تروي بالسرد الرقمي سيرة مأساة جارية على الأسفلت يوميًا، تتكرر فيها الرحلات نفسها، وتتغير الوجوه، بينما يبقى خطر الطريق حاضرًا.
وخلال عام 2025، ارتفع عدد الوفيات على الطرقات إلى 5,829 وفاة، مقارنة بـ5,260 وفاة في عام 2024، بنسبة ارتفاع بلغت 10.8%.
وفي صورة أخرى للنزيف الممتد، بلغ عدد المصابين 84,553 مصابًا عام 2025، مقابل 76,362 مصابًا في العام الذي سبقه، بزيادة بلغت 10.7%.
خلف الأرقام
لم يتوقف ارتفاع الخسائر عند الأعداد المطلقة، إذ ارتفع معدل الوفيات إلى 5.4 متوفى لكل 100 ألف نسمة عام 2025، مقابل 4.9 عام 2024.
وبلغ معدل الإصابات 78.4 مصاب لكل 100 ألف نسمة عام 2025، مقابل 71.7 عام 2024، بزيادة بلغت 9.3%، في صورة تكشف اتساع نطاق الخسائر البشرية المرتبطة بحوادث الطرق.
وعند النظر إلى أرقام الفترة من 2021 إلى 2025، تتضح صورة متقلبة لحصيلة الوفيات، إذ بدأت بـ7,326 وفاة عام 2021، ثم ارتفعت إلى 7,762 وفاة عام 2022، قبل أن تتراجع إلى 5,861 وفاة عام 2023، ثم إلى 5,260 وفاة عام 2024، قبل أن تعاود الارتفاع إلى 5,829 وفاة عام 2025.
سنوات من النزيف
وخلال هذه السنوات الخمس، بلغ مجموع الوفيات المسجلة 32,038 وفاة، بينما وصل إجمالي الإصابات إلى 339,433 إصابة، وفق الأرقام السنوية الواردة في التقرير.
وتكشف السلسلة الزمنية أن التراجع الذي شهدته الوفيات خلال عامي 2023 و2024 لم يستمر في العام التالي، إذ عادت الأعداد إلى الارتفاع في 2025، بالتزامن مع زيادة أعداد المصابين.
وفي كل عام، تتغير الأرقام، لكن خلفها تبقى أسر تواجه الفقد، ومصابون يحملون آثار الحوادث معهم إلى ما بعد لحظة التصادم.
الطريق يحصدهم
وتتفاوت الخسائر بحسب مستخدمي الطريق ووسائل التنقل، إذ أظهرت بيانات عام 2025 أن حوادث السيارات أسفرت عن 3,255 وفاة، بينما سجلت الدراجات النارية 1,241 وفاة، في حين بلغ عدد الوفيات المسجلة تحت بند «أخرى/غير معلوم» 1,134 وفاة.
وعلى مستوى الإصابات، سجل مستخدمو السيارات 19,245 إصابة، مقابل 4,609 إصابات لمستخدمي الدراجات النارية، بينما بلغ عدد الإصابات المسجلة تحت بند «أخرى» 60,608 إصابات.
لكن الصورة تصبح أكثر قسوة عند النظر إلى مستخدمي الطريق أنفسهم، إذ تصدر «المار بالطريق» قائمة الوفيات بـ2,132 وفاة، يليه السائقون بـ1,595 وفاة، ثم الركاب بـ1,470 وفاة.
عابرون إلى الموت
وفي توزيع الوفيات حسب النوع، سجل الذكور 4,921 وفاة، مقابل 908 وفيات بين الإناث، لتكشف الأرقام تفاوتًا واضحًا في حجم الخسائر بين الجنسين.
وتضع هذه الأرقام «المار بالطريق» في صدارة قائمة الضحايا، وهو شخص قد يكون في طريقه إلى عمله أو منزله، أو يعبر الطريق بحثًا عن وجهته، قبل أن تتحول لحظة العبور إلى نهاية مأساوية.
وبين المركبات والمشاة والسائقين والركاب، تتسع دائرة الخطر لتشمل أطرافًا مختلفة من مستخدمي الطريق، بينما تحمل كل وفاة قصة أسرة فقدت أحد أفرادها.
أحلام في مهب الطريق
وتكشف بيانات الأعمار بدورها عن حضور لافت للأطفال والشباب بين ضحايا الحوادث، إذ تصدرت الفئة العمرية 15-24 سنة قائمة الوفيات بـ1,580 وفاة خلال عام 2025، بينما بلغ عدد الوفيات بين الأطفال دون 5 سنوات 247 وفاة.
وفي الإصابات، جاءت الفئة العمرية 15-24 سنة في المرتبة الأولى بـ29,101 مصاب، تلتها الفئة العمرية 25-34 سنة بـ14,577 مصابًا، فيما سجلت الفئة العمرية 65 عامًا فأكثر أقل عدد من الإصابات، بواقع 2,509 إصابات.
وتضع هذه الأرقام رحلات العمل والتنقل اليومية، مثل رحلات عمال الإسماعيلية وأشمون، أمام واقع ثقيل، إذ يمكن لساعات الصباح الأولى التي يبدأ فيها البحث عن الرزق أن تتحول إلى محطة أخيرة تتوقف عندها الحياة، أو إلى لحظة تترك في الأجساد آثارًا تمتد لسنوات.
أعمار صغيرة
في الإسماعيلية وأشمون، لم تكن الرحلة مجرد انتقال من قرية إلى مزرعة، بل كانت طريقًا إلى العمل انتهى بالنسبة إلى عشرات الأسر بالفقد.
وتعيد هذه الوقائع الإنسانية إلى الواجهة حضور الفئات الأصغر سنًا في أرقام حوادث الطرق، حيث تتقاطع الحاجة إلى العمل والتنقل اليومي مع مخاطر الطريق.
شهور ثقيلة
وعلى مدار عام 2025، لم تتوزع الخسائر بالتساوي بين الشهور، إذ سجل مارس آذار أعلى عدد من وفيات حوادث الطرق، بواقع 583 وفاة.
وفي المقابل، جاء يناير كانون الثاني ويوليو تموز في أدنى مستوى، بواقع 407 وفيات لكل منهما.
أما الإصابات، فسجل أكتوبر تشرين الأول أعلى عدد، بواقع 8,245 إصابة، يليه سبتمبر أيلول بـ8,117 إصابة، بينما جاء فبراير شباط في أدنى مستوى بـ5,811 إصابة.
استجابة للفاجعة
وعلى وقع حادث طريق «الدواويس» في الإسماعيلية، تابع الرئيس عبد الفتاح السيسي ملابسات الواقعة عن كثب، ووجه بسرعة الوقوف على أسباب التصادم وإنهاء كافة الإجراءات القانونية بدقة، مع موافاته بتطورات الحادث بصورة مستمرة.
كما وجه الرئيس محافظ الإسماعيلية، اللواء نبيل السيد حسب الله، برفع آثار الحادث وتقديم واجب العزاء لأهالي الضحايا، وكلف وزارة الصحة والسكان بتوفير أقصى درجات الرعاية الطبية والعلاجية للمصابين.
ووجه كذلك وزارة التضامن الاجتماعي بصرف التعويضات المالية بشكل فوري للمصابين وأسر المتوفين، فيما أعلنت الدكتورة مايا مرسي وزيرة التضامن الاجتماعي مضاعفة التعويضات لأسر الضحايا والمصابين تنفيذًا للتوجيهات الرئاسية.
ووجهت مرسي رئيس الإدارة المركزية للحماية الاجتماعية بسرعة إنهاء كافة الإجراءات اللازمة لضمان صرف التعويضات بصورة فورية لأسر الضحايا والمصابين.
جريدة المنطقة العربية رؤية فريدة وتفاصيل حصرية
