أخبار عاجلة

هيثم سليمان يكتب: كيف تحولت الهجرة غير الشرعية من أفريقيا إلى أوروبا إلى واحدة من أكبر أزمات العالم؟

هيثم سيلمان
هيثم سيلمان

هيثم سليمان يكتب:

كيف تحولت الهجرة غير الشرعية من أفريقيا إلى أوروبا إلى واحدة من أكبر أزمات العالم؟

لم تعد الهجرة غير الشرعية من أفريقيا إلى أوروبا مجرد ظاهرة موسمية أو محاولات فردية لعبور البحر المتوسط، بل أصبحت واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا على الساحة الدولية، بعدما تحولت إلى أزمة إنسانية وأمنية وسياسية ممتدة منذ عقود. وتشير أحدث البيانات الدولية إلى أن أكثر من 25.5 ألف مهاجر من دول غرب ووسط أفريقيا وصلوا إلى أوروبا خلال عام 2025 عبر الطرق غير النظامية، فيما لقي أو فُقد ما لا يقل عن 3845 شخصًا أثناء محاولات العبور عبر البحر المتوسط والمحيط الأطلسي والصحراء الكبرى، وهي أرقام تمثل الحد الأدنى فقط، نظرًا لصعوبة توثيق جميع حالات الوفاة أو الاختفاء.

ورغم تشديد الإجراءات الأمنية الأوروبية، فإن حلم الوصول إلى “الضفة الأخرى” ما زال يدفع عشرات الآلاف سنويًا إلى خوض واحدة من أخطر الرحلات في العالم، رحلة تبدأ من أعماق القارة الأفريقية، مرورًا بالصحراء الكبرى، وصولًا إلى شواطئ شمال أفريقيا، ثم عبور البحر في قوارب متهالكة لا يعرف ركابها إن كانوا سيصلون إلى أوروبا أم سينضمون إلى قوائم المفقودين.

من الهجرة الشرعية إلى الهجرة السرية

في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، كانت أوروبا في أمسّ الحاجة إلى العمالة الأجنبية لإعادة بناء اقتصاداتها بعد الحرب العالمية الثانية. فتدفق آلاف العمال من المغرب والجزائر وتونس إلى فرنسا، بينما استقبلت ألمانيا وبلجيكا وهولندا عمالًا من عدة دول، في إطار اتفاقيات رسمية تكفل لهم الدخول والعمل بصورة قانونية.

لكن مع أزمة النفط العالمية عام 1973، بدأت الحكومات الأوروبية في تشديد قوانين الهجرة وتقليص استقدام العمالة الأجنبية، الأمر الذي دفع كثيرين إلى البحث عن طرق بديلة للوصول إلى أوروبا، لتبدأ تدريجيًا ملامح الهجرة غير الشرعية في الظهور.

سبتة تهز أوروبا... نحو 60 ألف مهاجر عبروا الحدود خلال أيام | الكتائب

التسعينيات.. ولادة شبكات التهريب

شهد عقد التسعينيات تحولًا كبيرًا في طبيعة الهجرة، بعدما ظهرت شبكات منظمة لتهريب البشر عبر مضيق جبل طارق، مستغلة الفارق الجغرافي القصير بين المغرب وإسبانيا.

وفي تلك المرحلة، كانت أعداد المهاجرين لا تزال محدودة مقارنة بما حدث لاحقًا، إلا أن هذه الشبكات سرعان ما توسعت، وامتدت أنشطتها إلى ليبيا وتونس والجزائر، لتصبح الهجرة غير الشرعية نشاطًا عابرًا للحدود يدر أرباحًا ضخمة.

2011.. العام الذي غيّر خريطة الهجرة

يمثل عام 2011 نقطة التحول الأبرز في تاريخ الهجرة غير الشرعية من أفريقيا إلى أوروبا.

فبعد انهيار مؤسسات الدولة في ليبيا، تحولت السواحل الليبية إلى أكبر نقطة انطلاق لقوارب الهجرة نحو إيطاليا ومالطا، مستفيدة من حالة الانفلات الأمني وغياب الرقابة على أجزاء واسعة من الساحل.

وأصبحت ليبيا محطة رئيسية للمهاجرين القادمين من السودان وتشاد والنيجر ومالي ونيجيريا وإريتريا وإثيوبيا والصومال، حيث يقضي كثير منهم شهورًا وربما سنوات قبل محاولة عبور البحر المتوسط.

وخلال سنوات قليلة، تحولت البلاد إلى مركز رئيسي لشبكات تهريب البشر، التي باتت تدير رحلات شبه يومية نحو السواحل الأوروبية.

بالصور: أزمات الهجرة واللجوء خلال سنة 2022 - مهاجر نيوز

رحلة تبدأ من قلب أفريقيا

على عكس الاعتقاد السائد، فإن رحلة الهجرة لا تبدأ من البحر، بل تبدأ من قرى فقيرة تبعد آلاف الكيلومترات عن الساحل.

فالمهاجر القادم من السنغال أو مالي أو النيجر أو نيجيريا أو غينيا يقطع أولًا مسافات طويلة عبر الصحراء الكبرى، متنقلًا بين عدة دول أفريقية حتى يصل إلى شمال القارة.

وخلال هذه الرحلة يتعرض كثيرون للابتزاز والسرقة والعنف والعمل القسري، بينما يفقد آخرون حياتهم بسبب العطش أو الحوادث أو الظروف المناخية القاسية داخل الصحراء.

البحر المتوسط.. المقبرة الأكبر

يُعد البحر المتوسط أخطر مرحلة في الرحلة بأكملها.

ففي معظم الحالات يستخدم المهربون قوارب مطاطية أو خشبية متهالكة، تحمل أعدادًا تفوق قدرتها الاستيعابية، دون وسائل إنقاذ أو أجهزة ملاحة كافية.

ولهذا تحول البحر المتوسط خلال العقدين الأخيرين إلى واحد من أكثر طرق الهجرة فتكًا في العالم، حيث يلقى آلاف المهاجرين مصرعهم أو يفقدون سنويًا أثناء محاولة الوصول إلى أوروبا، بينما لا يتم العثور على جثث كثير منهم.

المسارات الرئيسية للهجرة

تعتمد شبكات التهريب على ثلاثة مسارات رئيسية.

أولها المسار الأوسط الذي ينطلق من ليبيا وتونس نحو السواحل الإيطالية ومالطا، وهو الأكثر استخدامًا والأعلى من حيث معدلات الوفيات.

أما المسار الغربي فيبدأ من المغرب والجزائر باتجاه إسبانيا، سواء عبر البحر أو بمحاولات الوصول إلى سبتة ومليلية.

في حين يمثل المسار الأطلسي الطريق الأطول والأخطر، حيث تنطلق القوارب من موريتانيا والسنغال وغامبيا والمغرب باتجاه جزر الكناري الإسبانية، وسط ظروف بحرية شديدة القسوة.

لماذا يخاطر الأفارقة بحياتهم؟

لا يوجد سبب واحد للهجرة، وإنما تتداخل عدة عوامل تدفع الشباب إلى ترك أوطانهم، أبرزها:

  • الفقر وارتفاع معدلات البطالة.
  • النزاعات المسلحة والحروب الأهلية.
  • الإرهاب وعدم الاستقرار الأمني.
  • التغيرات المناخية والجفاف.
  • ضعف الخدمات الأساسية.
  • غياب فرص العمل.
  • الرغبة في تحسين مستوى المعيشة.

كما تلعب وسائل التواصل الاجتماعي دورًا في ترسيخ صورة مثالية عن الحياة في أوروبا، وهو ما يشجع كثيرين على خوض الرحلة رغم المخاطر.

إمبراطورية تهريب البشر

ومع تزايد أعداد المهاجرين، تحولت الهجرة غير الشرعية إلى واحدة من أكثر الأنشطة الإجرامية ربحًا.

وتدير شبكات التهريب عملياتها عبر عدة دول، بداية من تجنيد المهاجرين داخل أفريقيا، مرورًا بنقلهم إلى شمال القارة، ثم توفير أماكن احتجاز مؤقتة، قبل تنظيم رحلات العبور مقابل آلاف الدولارات للفرد الواحد.

ولا تقتصر المخاطر على البحر، إذ يتعرض كثير من المهاجرين أثناء الرحلة للاحتجاز والابتزاز والتعذيب والعمل القسري والاتجار بالبشر.

أوروبا تشدد إجراءاتها

مع تصاعد أعداد الوافدين خلال العقد الماضي، اتجهت الدول الأوروبية إلى تغيير استراتيجيتها، فلم تعد تركز فقط على حماية حدودها، بل سعت أيضًا إلى الحد من انطلاق القوارب من السواحل الأفريقية.

وشملت هذه السياسات تعزيز التعاون مع دول شمال أفريقيا، وتكثيف عمليات مكافحة شبكات التهريب، ودعم مراقبة الحدود، إلى جانب تمويل مشروعات تنموية في بعض الدول الأفريقية لمعالجة الأسباب الاقتصادية للهجرة.

ورغم ذلك، تؤكد التجربة أن تشديد الرقابة يؤدي غالبًا إلى انتقال المهاجرين والمهربين إلى مسارات جديدة أكثر خطورة، بدلًا من توقف الظاهرة.

المغرب.. بوابة أوروبا الغربية

يحتل المغرب موقعًا محوريًا في ملف الهجرة غير الشرعية، نظرًا لقربه الجغرافي من إسبانيا، حيث لا تتجاوز المسافة بين ضفتي مضيق جبل طارق في بعض المناطق نحو 14 كيلومترًا.

كما يمثل طريق جزر الكناري أحد أهم المسارات التي شهدت نشاطًا متزايدًا خلال السنوات الأخيرة، في ظل تغير أساليب عمل شبكات التهريب وتشديد الرقابة على بعض الطرق التقليدية.

أزمة مرشحة للاستمرار

ويرى خبراء الهجرة أن الظاهرة لن تنتهي بالإجراءات الأمنية وحدها، إذ ترتبط بعوامل هيكلية عميقة تشمل الفقر، والنمو السكاني، والصراعات المسلحة، وآثار التغير المناخي، وضعف فرص التنمية في العديد من الدول الأفريقية.

ولهذا يتوقع المراقبون أن تستمر الهجرة غير النظامية في تشكيل أحد أبرز التحديات المشتركة بين أفريقيا وأوروبا خلال السنوات المقبلة، مع استمرار سعي آلاف الشباب إلى الوصول إلى الضفة الشمالية من البحر المتوسط، مهما بلغت المخاطر، في رحلة قد تنتهي بحياة جديدة… أو بقبر مجهول في الصحراء أو البحر.

عن admin

شاهد أيضاً

ترامب

مساعدو ترامب يسعون لاحتواء حرب إيران قبل انتخابات التجديد النصفي

قال أربعة أشخاص مطلعين على المناقشات في أمريكا لوكالة رويترز، إن كبار مساعدي الرئيس دونالد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *