رغم الإمكانات الضخمة التي سخرتها الولايات المتحدة وكندا والمكسيك لاستضافة كأس العالم 2026، فإن العديد من المؤشرات والانتقادات التي ظهرت قبل انطلاق البطولة ومع بداياتها كشفت أن المستوى التنظيمي لم يرتقِ بالكامل إلى حجم الحدث الأكبر في تاريخ المونديال، خاصة مع مشاركة 48 منتخبًا وإقامة 104 مباريات للمرة الأولى.
وشهدت البطولة موجة واسعة من الانتقادات المرتبطة بملف التذاكر، حيث اشتكى عدد كبير من الجماهير من غياب الشفافية في آليات البيع والتسعير. واعتمد الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) نظام التسعير المتغير «Dynamic Pricing»، الأمر الذي تسبب في ارتفاع أسعار بعض التذاكر إلى مستويات قياسية، وأثار اعتراضات من روابط المشجعين ومنظمات حماية المستهلك. كما فتحت سلطات أمريكية تحقيقات بشأن بعض الممارسات المتعلقة ببيع التذاكر وتخصيص المقاعد.
ولم تتوقف الانتقادات عند الأسعار فقط، بل امتدت إلى المشكلات التقنية التي صاحبت مراحل بيع التذاكر، حيث واجه آلاف المشجعين صعوبات في الدخول إلى المنصات الإلكترونية، فضلاً عن شكاوى متكررة بشأن تحديد المقاعد الفعلية بعد الشراء، وهو ما دفع العديد من الجماهير للتعبير عن استيائها عبر مواقع التواصل الاجتماعي ومنتديات المشجعين.
كما برزت تحديات لوجستية تتعلق بوسائل النقل والوصول إلى الملاعب، خاصة في بعض المدن الأمريكية المستضيفة. وأشارت تقارير إعلامية إلى أن عشرات الآلاف من الجماهير لم تكن قد حددت وسائل انتقالها إلى الملاعب قبل بعض المباريات، في ظل ارتفاع تكاليف النقل وتعقيد بعض الإجراءات الخاصة بالوصول إلى الاستادات، الأمر الذي أثار مخاوف من حدوث ازدحام وفوضى تنظيمية.
ومن المظاهر التي أثارت الجدل أيضًا ظهور مقاعد فارغة في بعض المباريات رغم إعلان أرقام حضور مرتفعة، وهو ما دفع الجماهير ووسائل الإعلام للتشكيك في دقة المؤشرات الخاصة بالإقبال الجماهيري. وبينما أرجع فيفا الأمر إلى وجود المشجعين في الممرات ومناطق الخدمات داخل الملاعب، اعتبر منتقدون أن ارتفاع أسعار التذاكر وسوء إدارة التوزيع كانا من الأسباب الرئيسية وراء هذا المشهد.
كذلك واجهت البطولة انتقادات تتعلق بملف ذوي الاحتياجات الخاصة، حيث تحدثت منظمات معنية بحقوق المشجعين عن صعوبات في الحصول على التذاكر المخصصة للمرافقين وارتفاع تكلفتها مقارنة بالبطولات السابقة، إلى جانب مشكلات مرتبطة بتخصيص المقاعد والخدمات المقدمة لهذه الفئة.
وفي الجانب الأمني، حذرت مراكز دراسات وخبراء أمنيون من أن اتساع نطاق البطولة وتوزعها على ثلاث دول وعشرات المدن يفرض تحديات غير مسبوقة على خطط التأمين وإدارة الحشود، خاصة في مناطق المشجعين ومحاور النقل والمناطق المحيطة بالملاعب.
ويرى مراقبون أن هذه المشكلات لا تعني فشل البطولة تنظيميًا، لكنها تكشف أن حجم الحدث تجاوز في بعض الجوانب قدرة المنظومة التنظيمية على تقديم تجربة مثالية للجماهير. فالمونديال الأكبر في التاريخ يحتاج إلى مستوى استثنائي من التنسيق بين الجهات المنظمة، وهو ما بدا أنه لم يتحقق بالكامل في عدد من الملفات الحيوية، وعلى رأسها التذاكر والنقل والخدمات اللوجستية.
وفي المحصلة، تظل كأس العالم 2026 تجربة فريدة من حيث الحجم والانتشار الجغرافي، لكنها في الوقت نفسه تقدم نموذجًا واضحًا للتحديات التي تفرضها البطولات العملاقة، حيث أثبتت الوقائع أن النجاح التنظيمي لا يقاس فقط بعدد المباريات أو الجماهير، وإنما بمدى قدرة المنظمين على توفير تجربة سلسة وعادلة وآمنة لجميع المشاركين والمتابعين.
جريدة المنطقة العربية رؤية فريدة وتفاصيل حصرية
