لا يزال الهرم الأكبر المعروف باسم “هرم خوفو”، أحد أعظم إنجازات الحضارة المصرية القديمة، يثير دهشة العلماء والباحثين حول العالم، ليس فقط بسبب ضخامته ودقة بنائه، وإنما أيضًا بسبب قدرته المذهلة على الصمود فى وجه عوامل الزمن والزلازل لآلاف السنين.
«الشوشرة الزلزالية» داخل جسم الهرم الأكبر
وفى دراسة علمية حديثة أجراها فريق بحثى من المعهد القومى للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية، بالتعاون مع بعثة يابانية، حاول العلماء فك شفرة هذا الصمود الاستثنائى، عبر دراسة ما يعرف بـ«الشوشرة الزلزالية» داخل جسم الهرم الأكبر، وتحليل استجابته الديناميكية للاهتزازات.
وفى تصريحات صحفية يكشف الدكتور عاصم مصطفى طه، أستاذ دكتور مساعد بقسم الزلازل بالمعهد القومى للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية، المتحدث باسم أعضاء الفريق البحثى وأحد أعضائه، تفاصيل الدراسة، وأبرز ما توصل إليه العلماء لفهم سر بقاء هرم خوفو شامخًا حتى اليوم.
■ كيف بدأت فكرة البحث؟ وما الذى أثار فضول الفريق العلمى لدراسة مقاومة الهرم للزلازل؟
– بدأت فكرة الدراسة بالتعاون مع البعثة اليابانية لدراسة الهرم الأكبر، وكانت فكرة الدراسة فى الأساس من خلال الأستاذ الدكتور محمد الجابرى، أستاذ المعهد القومى للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية، الذى كان يهتم بدراسة الهرم منذ فترة طويلة، خاصة كيفية صموده طوال 4600 سنة، ومن هنا قام بتكوين فريق من المعهد لدراسة الشوشرة الزلزالية للهرم.
■ ما أبرز النتائج التى توصلتم إليها بشأن قدرة هرم خوفو على مقاومة الزلازل؟
– بعد دراسة الهرم الأكبر، خوفو، والتى شملت جميع المستويات الداخلية لجسم الهرم، من غرفة الملك وغرفة الملكة وحتى أسفل الهرم وغرف الضغط، وجدنا أن سلوك الهرم من حيث الترددات متجانس، ويختلف عن تردد التربة المحيطة، وهو ما يساعد على تخفيف اهتزازات الزلازل عن الهرم الأكبر.
■ كيف تمكن الهرم من الصمود لأكثر من 4600عام رغم تعرض المنطقة لزلازل متعددة؟
– تعرض الهرم لزلازل كثيرة على مدار 4600 عام، أغلبها كان صغيرًا، باستثناء زلزال عام 1847، وزلزال 1992، الذى يُعد من أخطر الزلازل التى عانت منها جمهورية مصر العربية، وكانت بؤرة هذا الزلزال قريبة من الهرم، ورغم ذلك لم يحدث تأثير على الهرم سوى أجزاء طفيفة جدًا تكاد لا تُذكر.
المصريون القدماء امتلكوا علم التجربة والتعلم من أخطاء البناء عبر العصور
■ هل يمكن القول إن المصريين القدماء امتلكوا فهمًا مبكرًا لمبادئ هندسة مقاومة الزلازل؟
– لا نستطيع أن نقول إن المصريين القدماء امتلكوا علم الهندسة الحديثة كما نعرفه الآن، لكنهم بالتأكيد امتلكوا علم التجربة والتعلم من أخطاء البناء عبر العصور، حتى وصلوا إلى الشكل الهندسى والبنائى القوى للهرم، سواء من حيث مواد البناء أو اختيار التربة الصلبة أو الزوايا المناسبة والانحدار الداخلى للشكل المثلثى للهرم.
■ الدراسة تحدثت عن اختلاف التردد بين الهرم والتربة المحيطة.. ماذا يعنى ذلك بصورة مبسطة؟
– اختلاف الترددات بين التربة وجسم الهرم، فى علم الهندسة الحديث وعلم الزلازل، له أهمية كبيرة جدًا، لأنه يؤدى إلى تجانس حركة جسم الهرم بشكل يقلل من تأثير الهزات عليه.
■ ولماذا يعتبر هذا الاختلاف عاملًا مهمًا فى حماية الهرم من الانهيار؟
– لأن تحرك جسم الهرم يصبح متجانسًا أثناء الهزة الأرضية، بعكس ما يحدث إذا كان لكل مستوى تردد مختلف، ففى هذه الحالة يتحرك كل طابق بشكل مختلف ضد قوى الحركة الزلزالية، وهو ما قد يؤدى إلى الانهيار.
■ هل فوجئتم بحجم التجانس الهندسى والديناميكى داخل الهرم؟
– نوعًا ما كانت النتيجة جيدة ومبدئية من حيث تقدم البحث إلى الأمام، وأظهرت مؤشرات مهمة للغاية حول تجانس سلوك الهرم.
دور حجرات تخفيف الضغط أعلى حجرة الملك
■ ما الدور الذى تلعبه حجرات تخفيف الضغط أعلى حجرة الملك فى مقاومة الاهتزازات؟
– النتيجة الأخرى المهمة فى الدراسة تتعلق بالدور الذى تلعبه غرف الضغط من حيث معامل التضخيم أو معامل التكبير النسبى، حيث تزداد هذه القيم مع الارتفاع، وهذا مشابه لما يحدث فى القياسات السيزمية للأبراج العالية والمبانى المرتفعة.
■ وهل كانت هذه الحجرات تؤدى وظيفة إنشائية أكثر تعقيدًا مما كان يعتقد سابقًا؟
– المثير للدهشة أن معامل التضخيم يقل عند ارتفاع الغرفة الموجودة فوق غرفة الملك، وهو ما يؤدى بدوره إلى تقليل تأثير الهزات، بل وحتى تأثيرات أخرى مثل الرياح عند الأدوار العليا من جسم الهرم، وهو ما يشير إلى دور إنشائى أكثر تعقيدًا مما كان يعتقد.
■ ما نوع الأجهزة والتقنيات التى استخدمتموها داخل الهرم؟
– الأجهزة المستخدمة تعرف بأجهزة قياس الشوشرة الزلزالية، وتمت القياسات باستخدام وحدات حديثة من أجهزة السيزموجراف ذات التكنولوجيا والحساسية العالية.
■ كيف جرت القياسات داخل الممرات والحجرات الضيقة دون التأثير على الأثر؟
– من مميزات هذه الأجهزة أنها تُترك بعد إعدادها وضبطها وفق طرق القياس المطلوبة، دون أن تسبب أى ضرر لأى جزء داخل الهرم.
■ وكيف أجريت القياسات عمليًا؟
– جرت القياسات بواسطة الفريق البحثى، حيث كان يصاحب كل جهاز باحث متخصص حتى يتم الانتهاء من القياسات المطلوبة.
■ هل واجه الفريق أى صعوبات تقنية أو لوجستية أثناء تنفيذ الدراسة داخل الهرم الأكبر؟
– نحن نوجّه الشكر لوزارة السياحة والآثار، والمجلس الأعلى للآثار، وإدارة الهرم، على تسهيل جميع العقبات من أجل إجراء دراسات علمية دقيقة تساعد على فهم ما توصل إليه أجدادنا المصريون القدماء من تقدم كبير فى التشييد والبناء.
أهمية موقع بناء الهرم
■ الدراسة أشارت إلى انخفاض مؤشر القابلية الزلزالية للتربة.. ماذا يعنى هذا عمليًا؟
– اختيار المصريين القدماء نوع التربة، وما أظهرته نتائج الدراسة، كان له أثر واضح على استقرار الهرم الأكبر طوال هذه الأعوام.
■ إلى أى مدى لعب اختيار موقع بناء الهرم دورًا فى استقراره الحالى؟
– اختيار التربة الصلبة والموقع المناسب كان من العوامل الأساسية التى ساعدت على استقرار الهرم وصموده حتى الآن.
■ هل كشفت الدراسة عن معلومات جديدة تتعلق بطبيعة الصخور أو الأساسات أسفل الهرم؟
– الدراسة ما زالت مستمرة، وهناك الكثير من القيم والنتائج التى تحتاج إلى تفسير ودراسة أعمق للوصول إلى فهم متكامل لطبيعة الهرم من الناحية الهندسية والديناميكية.
■ هل توجد أجزاء داخل الهرم أظهرت استجابة مختلفة عن باقى الهيكل؟
– نعم، ممر المأمون أظهر ترددات مختلفة عن بقية أجزاء الهرم.
■ كيف تفسرون ذلك؟
– لأن ممر المأمون لم يكن ضمن تصميم المصريين القدماء، بل تم إنشاؤه لاحقًا بواسطة الخليفة المأمون، تقريبًا فى عام 1934، وذلك لأنه لم يكن هناك مدخل معروف للهرم فى ذلك الوقت، ولذلك يختلف ديناميكيًا عن جسم الهرم الأصلى.
■ هل يمكن تطبيق نتائج هذه الدراسة على ترميم أو حماية آثار مصرية أخرى؟
– نعم، يمكن تطبيق هذه النتائج على الآثار، وهذا الأمر يُطبق بالفعل، حيث تساعدنا هذه الدراسات فى تحديد الأجزاء الضعيفة والقوية داخل أى أثر، وبالتالى المساهمة فى أعمال الحماية والترميم.
استفادة الهندسة الحديثة من تصميم هرم خوفو
■ ما الذى يمكن أن تستفيده الهندسة الحديثة من تصميم هرم خوفو؟
– الهندسة الحديثة يمكن أن تستفيد كثيرًا من فهم كيفية تحقيق التجانس الديناميكى داخل المبنى، وكيفية اختيار التربة المناسبة، وتوزيع الأحمال بطريقة تقلل من تأثير الزلازل والاهتزازات.
■ هل تعتقد أن العمارة المصرية القديمة كانت تعتمد على خبرات تراكمية مرتبطة بالطبيعة والزلازل؟
– بالتأكيد، المصريون القدماء اعتمدوا على تراكم الخبرات والتجربة عبر مئات السنين، وهو ما ساعدهم على الوصول إلى هذا المستوى المذهل من الدقة والاستقرار الهندسى.
■ هل توجد خطط لإجراء دراسات أخرى لكشف مزيد من الأسرار؟
– هناك خطط لاستكمال الدراسات داخل الهرم الأكبر، لأنه لا يزال يحتوى على الكثير من القيم والنتائج التى تحتاج إلى تفسير، إضافة إلى إجراء قياسات أخرى للوصول إلى نموذج هندسى متكامل يساعد على فهم الهرم الأكبر بصورة شاملة.
جريدة المنطقة العربية رؤية فريدة وتفاصيل حصرية
