مقالات مشابهة

في الساعات الأولى من صباح اليوم الإثنين، عاد ملف الزلازل إلى واجهة الاهتمام في مصر، بعدما أعلن المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية تسجيل هزة أرضية قوية بلغت شدتها 5.6 درجة على مقياس ريختر، على بعد 61 كيلومترًا شمال شرق مدينة شرم الشيخ، في تمام الساعة 3:03 صباحًا بالتوقيت المحلي، وعلى عمق 26 كيلومترًا. ورغم عدم تسجيل خسائر بشرية حتى الآن، فإن قوة الهزة أعادت إلى أذهان المصريين مشاهد زلزال 12 أكتوبر 1992، الذي بلغت قوته 5.8 درجة وأسفر عن وفاة 545 شخصًا وإصابة 6512 آخرين، ليظل واحدًا من أكثر الكوارث الطبيعية تأثيرًا في التاريخ المصري الحديث. ومع الهزة الأخيرة، سارعت مؤسسات الدولة إلى رفع درجة الاستعداد وإعلان حالة الطوارئ، في مقدمتها وزارة الصحة ومحافظة القاهرة وعدد من المحافظات، في خطوة تعكس تطور آليات التعامل مع المخاطر الزلزالية مقارنة بما كان عليه الوضع قبل أكثر من ثلاثة عقود.
تاريخ الزلازل في مصر.. من الكوارث التاريخية إلى منظومة الرصد الحديثة
رغم أن مصر لا تقع ضمن أكثر المناطق نشاطًا زلزاليًا في العالم، فإن موقعها الجغرافي عند التقاء الصفيحة الإفريقية بالصفيحة العربية، وقربها من صدع البحر الأحمر وخليج العقبة ومنطقة شرق البحر المتوسط، يجعلها عرضة لهزات أرضية متفاوتة الشدة بين الحين والآخر.
وعلى مدار التاريخ، سجلت مصر عشرات الزلازل التي تراوحت بين الهزات البسيطة والكوارث الكبرى، وأسهمت هذه الأحداث في تطوير نظم الرصد والإنذار والاستجابة للطوارئ.
زلازل ضربت مصر عبر التاريخ

زلزال عام 796 ميلادية
يعد من أقدم الزلازل الموثقة التي أثرت على الأراضي المصرية، حيث تسببت الهزة في انهيار عدد من المباني بمدينة الفسطاط، وشعر بها سكان مناطق واسعة من البلاد.
زلزال عام 1303
كان من أعنف الزلازل التي شهدتها منطقة شرق البحر المتوسط، وامتدت آثاره إلى القاهرة والإسكندرية وعدد من المدن المصرية، حيث انهارت مآذن ومساجد وأجزاء من قلعة صلاح الدين، كما تسبب في موجات بحرية أثرت على سواحل البحر المتوسط.
زلزال 1847
تعرضت مصر لهزة قوية شعر بها سكان القاهرة والدلتا، وألحقت أضرارًا بعدد من المباني القديمة، لكنها لم تسفر عن خسائر بشرية كبيرة.

زلزال شدوان 1969
وقع بالقرب من جزيرة شدوان في البحر الأحمر، وبلغت قوته نحو 6.9 درجة على مقياس ريختر، ويعد من أقوى الزلازل المسجلة في مصر خلال القرن العشرين، إلا أن وقوعه بعيدًا عن الكتل السكانية حدّ من خسائره.
زلزال خليج العقبة 1995
بلغت قوته نحو 7.2 درجة، وكان مركزه في خليج العقبة، وشعر به سكان معظم المحافظات المصرية، خاصة جنوب سيناء والقاهرة والسويس، وأسفر عن أضرار محدودة في بعض المنشآت السياحية والمباني.

زلزال 1992.. الكارثة التي غيرت مفهوم البناء والسلامة
يبقى زلزال 12 أكتوبر 1992 الأكثر رسوخًا في ذاكرة المصريين، رغم أن قوته بلغت 5.8 درجة فقط على مقياس ريختر، وهي درجة أقل من كثير من الزلازل التي تضرب العالم.
لكن خطورته جاءت نتيجة وقوعه بالقرب من القاهرة الكبرى، إضافة إلى ضعف مقاومة عدد كبير من المباني القديمة والمخالفة للزلازل.
وأسفر الزلزال عن:
- وفاة 545 شخصًا.
- إصابة 6512 آخرين.
- تشريد نحو 50 ألف مواطن.
- انهيار آلاف المنازل والمنشآت.
- خسائر اقتصادية قدرت بمليارات الجنيهات.
كما دفع الدولة إلى مراجعة الكود المصري لتصميم وتنفيذ المنشآت المقاومة للزلازل، وتشديد معايير البناء والهندسة الإنشائية.
لماذا تتكرر الزلازل في مصر؟
يرجع العلماء النشاط الزلزالي في مصر إلى عدة أسباب جيولوجية، أبرزها:
- حركة الصفائح التكتونية في منطقة البحر الأحمر.
- النشاط المستمر في خليج العقبة.
- الصدوع الجيولوجية بشرق البحر المتوسط.
- بعض الصدوع الداخلية في الصحراء الشرقية وسيناء.
وتؤكد الدراسات أن معظم الزلازل التي تسجلها الشبكة القومية تكون ضعيفة ولا يشعر بها المواطنون، إذ يتم رصد آلاف الهزات سنويًا، بينما يشعر السكان بعدد محدود منها فقط.
كيف تطورت منظومة الرصد؟
بعد زلزال 1992، شهدت مصر تطورًا كبيرًا في قدراتها على متابعة النشاط الزلزالي، حيث توسعت الشبكة القومية لرصد الزلازل لتضم عشرات المحطات الرقمية المنتشرة في مختلف أنحاء الجمهورية، القادرة على تسجيل الهزات بدقة عالية وتحديد مواقعها وأعماقها خلال دقائق.
كما أصبحت الجهات المعنية، وفي مقدمتها المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية، تصدر بيانات فورية عن أي هزة أرضية، مع تقييم تأثيرها وإبلاغ أجهزة الدولة لاتخاذ الإجراءات الاحترازية عند الضرورة.

هل الزلازل الحالية مؤشر على كارثة؟
يشير خبراء الزلازل إلى أن تكرار الهزات الأرضية لا يعني بالضرورة اقتراب وقوع زلزال مدمر، فالنشاط الزلزالي في المنطقة يعد جزءًا من الطبيعة الجيولوجية لحركة الأرض، كما أن العلم لا يستطيع حتى الآن التنبؤ بموعد وقوع الزلازل قبل حدوثها.
ويؤكد المتخصصون أن الالتزام بكود البناء المقاوم للزلازل، ورفع الوعي المجتمعي بكيفية التصرف أثناء الهزات، يمثلان خط الدفاع الأول لتقليل الخسائر في حال وقوع أي زلزال مستقبلي.
من كارثة 1992 إلى هزة 2026
أظهرت الهزة الأرضية الأخيرة أن مصر أصبحت أكثر جاهزية في التعامل مع المخاطر الطبيعية، سواء من خلال سرعة الرصد والإعلان، أو رفع درجة الاستعداد في المؤسسات المختلفة. وبينما أعادت هزة فجر الإثنين ذكريات زلزال 1992، فإن الفارق الكبير يكمن في تطور منظومة إدارة الأزمات، وتحسن معايير البناء، وارتفاع كفاءة أجهزة الرصد، وهو ما يسهم في الحد من تأثير مثل هذه الظواهر الطبيعية، حتى وإن ظلت الزلازل جزءًا من الواقع الجيولوجي الذي تعيشه المنطقة.

جريدة المنطقة العربية رؤية فريدة وتفاصيل حصرية
