
الصحفي هيثم سليمان يكتب: الشرق الأوسط يحترق
.. لماذا لا تنتهي الحروب في هذه المنطقة?
الشرق الأوسط من أكثر مناطق العالم اضطرابًا واشتعالًا بالصراعات العسكرية والسياسية والدينية والاقتصادية. فمنذ عقود، لم تعرف هذه المنطقة استقرارًا طويل الأمد، إذ تتشابك فيها المصالح المحلية والإقليمية والدولية، وتتشظى القضايا بين صراع عربي-إسرائيلي، وتنافس إيراني-سعودي، ونفوذ تركي-روسي-أمريكي، فضلًا عن حروب أهلية وتمردات مسلحة في اليمن وسوريا وليبيا والعراق. هذا التقرير يرصد أبرز محاور الصراع في الشرق الأوسط في ضوء المتغيرات الحديثة، مع تحليل الأسباب والجذور والتداعيات المحتملة على أمن واستقرار المنطقة والعالم.

جذور تاريخية معقدة ترسم ملامح الحاضر
الصراعات في الشرق الأوسط ليست وليدة اللحظة، بل تعود جذورها إلى حقب تاريخية متعددة. اتفاقية سايكس–بيكو (1916) التي قسمت تركة الإمبراطورية العثمانية بين فرنسا وبريطانيا، خلفت حدودًا مصطنعة لم تراعِ التوزيعات العرقية والدينية، مما زرع بذورًا للصراعات الطائفية والسياسية.
ثم جاءت النكبة الفلسطينية عام 1948 لتفتح جرحًا غائرًا في الجسد العربي، ولتشعل صراعًا مستمرًا مع إسرائيل، لم ينتهِ رغم اتفاقيات السلام المتعددة. ومع بروز ثروات النفط والغاز، دخلت عوامل جديدة للصراع، زادت من حدة التنافس بين القوى الإقليمية، ودفعت بالولايات المتحدة وروسيا إلى تبني سياسات تدخلية حاسمة في شؤون المنطقة.

الصراع العربي الإسرائيلي: قضية مركزية لا تموت
يظل الصراع العربي الإسرائيلي هو الأقدم والأكثر تعقيدًا في الشرق الأوسط. بدأت جذوره مع وعد بلفور عام 1917، وتعزز مع إنشاء دولة إسرائيل على أرض فلسطين عام 1948، مما أدى إلى تهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين، وتسبّب في سلسلة من الحروب بين العرب وإسرائيل.
ورغم توقيع معاهدات سلام بين إسرائيل ومصر (1979)، والأردن (1994)، ثم التطبيع مع الإمارات والبحرين والمغرب والسودان (2020)، إلا أن القضية الفلسطينية لا تزال مشتعلة، خصوصًا مع استمرار الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية، وحصار قطاع غزة، والاستيطان، والانتهاكات المتكررة في المسجد الأقصى.
وقد تفاقمت الأوضاع منذ عملية “طوفان الأقصى“ التي أطلقتها حماس في أكتوبر 2023، وما تلاها من عدوان إسرائيلي دموي على غزة، أسفر عن استشهاد عشرات الآلاف، وسط صمت دولي وانقسام عربي حول سبل الرد.
الحرب في غزة وإيران: تصعيد جديد يعيد خلط الأوراق
أدت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة إلى تداعيات إقليمية خطيرة، أبرزها تورط مباشر أو غير مباشر لقوى إقليمية كإيران، التي تُعد الداعم الأكبر لحركات المقاومة مثل حزب الله في لبنان، والحوثيين في اليمن، وفصائل في العراق وسوريا.
في أبريل 2025، تصاعد الموقف بشكل دراماتيكي بعد أن شنت إسرائيل ضربة مباشرة داخل الأراضي الإيرانية، استهدفت منشآت عسكرية يقال إنها مرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني. ردت طهران بهجوم صاروخي وبطائرات مسيّرة، استهدفت مناطق حيوية في إسرائيل، مما أدخل المنطقة في حالة توتر قصوى، ودفعت العديد من الدول إلى إعلان حالة الطوارئ.
ورغم محاولات التهدئة، إلا أن المشهد لا يزال مفتوحًا على كافة السيناريوهات، في ظل غياب أفق للحل السياسي، وتزايد المؤشرات على احتمال اندلاع حرب إقليمية شاملة، قد تتورط فيها الولايات المتحدة بشكل مباشر، إلى جانب دول الخليج.

الصراع السعودي الإيراني: تنافس النفوذ والتحالفات المتغيرة
تتنافس السعودية وإيران على زعامة الشرق الأوسط منذ عقود. هذا الصراع أخذ أبعادًا طائفية (سنة ضد شيعة)، وجيوسياسية (نفوذ إقليمي)، وأيديولوجية (ملكية ضد ثيوقراطية). وقد انعكس هذا التنافس في عدة ملفات:
اليمن: حيث تقود السعودية تحالفًا عسكريًا لدعم الحكومة المعترف بها دوليًا، في مواجهة الحوثيين المدعومين من إيران.
سوريا: حيث دعمت السعودية المعارضة، بينما وقفت إيران مع نظام بشار الأسد.
لبنان: حيث تدعم إيران حزب الله، بينما تتحالف السعودية مع قوى 14 آذار.
ورغم التوصل إلى اتفاق تطبيع علاقات بين طهران والرياض في مارس 2023 بوساطة صينية، إلا أن التوترات لم تنتهِ بالكامل، خصوصًا مع تصاعد التهديدات الأمنية على الحدود الجنوبية للسعودية، واستمرار الصراع اليمني، وتضارب المواقف حيال الملف النووي الإيراني.
سوريا: بلد ممزق بين القوى الدولية والإقليمية
منذ عام 2011، تحولت الثورة السورية إلى ساحة حرب بالوكالة، حيث تدخلت روسيا عسكريًا لدعم نظام الأسد، وشاركت إيران وميليشياتها، بينما دعمت الولايات المتحدة وتركيا فصائل معارضة مختلفة.
واليوم، تُقسم سوريا إلى مناطق نفوذ بين النظام، والمعارضة، وقوات سوريا الديمقراطية، والقوات التركية، والقواعد الأمريكية، والميليشيات الإيرانية، مما يعقد أي تسوية سياسية شاملة.
ولا تزال إدلب وشرق الفرات مناطق توتر ساخن، مع تزايد الضربات الجوية، وتدهور الوضع الإنساني، واستمرار معاناة ملايين النازحين واللاجئين.

اليمن: حرب منسية تستنزف الجميع
منذ عام 2015، يشهد اليمن حربًا مدمرة بين الحوثيين والحكومة الشرعية، بدعم من التحالف العربي بقيادة السعودية. هذه الحرب خلفت واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم، مع تفشي المجاعة والأوبئة، وانهيار البنية التحتية.
ورغم محاولات التهدئة والمفاوضات الجارية بوساطات أممية وعمانية، فإن الحوثيين لا يزالون يسيطرون على العاصمة صنعاء، ويشنون هجمات على الأراضي السعودية والإماراتية باستخدام صواريخ وطائرات مسيّرة، مما يُنذر بتجدد الصراع في أي لحظة.
العراق: بلد مثقل بالإرث الطائفي والتدخلات الخارجية
رغم هزيمة تنظيم داعش في العراق عام 2017، إلا أن البلاد لا تزال تواجه تحديات أمنية واقتصادية وسياسية كبيرة. الصراع بين الميليشيات المسلحة، وتنازع الولاءات بين إيران والولايات المتحدة، وغياب حكومة مستقرة، كلها عوامل تهدد استقرار العراق.
وتتعرض القواعد الأمريكية في العراق لهجمات متكررة من فصائل مسلحة مقربة من طهران، في حين يحاول العراق أن يوازن علاقاته بين جيرانه وواشنطن، وسط ضغوط شعبية تطالب بالسيادة والكرامة الوطنية.
ليبيا ولبنان: أزمات مزمنة دون أفق للحل
في ليبيا، لا تزال البلاد منقسمة بين حكومة في طرابلس وأخرى في الشرق، رغم محاولات المصالحة برعاية أممية. وجود الميليشيات، وتدخل قوى إقليمية مثل تركيا والإمارات ومصر، يعقد المشهد الليبي، الذي بات مرتعًا للهجرة غير الشرعية وتجارة السلاح.
أما لبنان، فيعيش أزمة اقتصادية وسياسية خانقة، مع انهيار العملة، وشلل مؤسسات الدولة، وفشل القوى السياسية في انتخاب رئيس جديد للجمهورية، وسط ضغوط دولية وإقليمية، وتصاعد نفوذ حزب الله المرتبط بإيران.
الدور التركي: بين التوسع الإقليمي والتوازنات الدولية
تلعب تركيا بقيادة رجب طيب أردوغان دورًا محوريًا في الشرق الأوسط، مستندة إلى قوتها العسكرية وتأثيرها الجيوسياسي. تدخلت أنقرة عسكريًا في سوريا والعراق، وأقامت قواعد في قطر والصومال، ودعمت حكومة طرابلس في ليبيا.
ورغم تحالفها مع الغرب في الناتو، فإنها تبنت سياسة خارجية مستقلة، ووسعت علاقاتها مع روسيا وإيران. كما أدت المصالح الاقتصادية والتحديات الأمنية (ملف الأكراد، ملف الغاز شرق المتوسط) إلى إعادة رسم تحالفاتها مع مصر والسعودية والإمارات.
الولايات المتحدة وروسيا: لعبة الأمم في الشرق الأوسط
لطالما اعتُبر الشرق الأوسط ساحة مواجهة غير مباشرة بين أمريكا وروسيا. ورغم انسحاب واشنطن النسبي من بعض الملفات، إلا أن مصالحها الحيوية في إسرائيل والخليج وتركيا تفرض عليها التواجد، خاصة في ظل التصعيد الإيراني.
أما روسيا، فاستغلت الفراغ الأمريكي لتعزز حضورها، خصوصًا في سوريا وليبيا، ولتستخدم الشرق الأوسط كورقة في صراعاتها مع الغرب، لا سيما بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا.
مستقبل الصراعات في الشرق الأوسط: هل من مخرج؟
يبدو أن الشرق الأوسط يقف على مفترق طرق. فإما أن يستمر في دوامة الصراعات المدمرة، أو يبدأ مسارًا جديدًا من التهدئة الإقليمية، وفتح قنوات الحوار بين الخصوم التقليديين.
ورغم كثافة التوترات، إلا أن هناك مؤشرات على إمكان بناء نظام إقليمي جديد، لا سيما بعد تقارب السعودية مع إيران، وعودة سوريا إلى الجامعة العربية، ومساعي تطبيع العلاقات بين تركيا ومصر، وبين الخليج وسوريا.
غير أن استمرار الاحتلال الإسرائيلي، والتدخلات الأجنبية، والفساد السياسي، والفقر، والطائفية، كلها تحديات ضخمة تقف في وجه أي تسوية شاملة.
الشرق الأوسط بين النار والرماد
تُعدّ الصراعات في الشرق الأوسط مرآة لتشابك المصالح، وتضارب المشاريع، وتراكم المظالم. ولا يمكن فهمها بمعزل عن التاريخ والدين والجغرافيا والطاقة. ومع تصاعد العنف وتزايد عدد الضحايا، تبقى الشعوب العربية هي الخاسر الأكبر، في انتظار صحوة دولية حقيقية تضع حدًا لحروب لا تنتهي.
جريدة المنطقة العربية رؤية فريدة وتفاصيل حصرية
