هيثم سليمان يكتب: مصر وصناعة السلام.. كيف أصبحت القاهرة وسيطًا لا غنى عنه في أزمات المنطقة؟

الصحفي هيثم سليمان يكتب: مصر وصناعة السلام.. كيف أصبحت القاهرة وسيطًا لا غنى عنه في أزمات المنطقة؟
في منطقة تُعد من أكثر مناطق العالم اضطرابًا، برزت مصر خلال السنوات الأخيرة كأحد أهم الأطراف الإقليمية القادرة على لعب دور الوسيط في الأزمات والصراعات، مستندة إلى ثقلها السياسي والتاريخي، وشبكة علاقاتها المتوازنة مع مختلف القوى الإقليمية والدولية. ولم يعد هذا الدور يقتصر على إدارة الأزمات، بل أصبح جزءًا من استراتيجية السياسة الخارجية المصرية الرامية إلى تعزيز الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط وإفريقيا.
سياسة خارجية قائمة على التوازن
اعتمدت القاهرة نهجًا يقوم على الحفاظ على قنوات التواصل مع جميع الأطراف، وهو ما منحها مساحة للتحرك في ملفات معقدة يصعب على أطراف أخرى الاقتراب منها. وتستند هذه السياسة إلى مبدأ احترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، مع دعم الحلول السياسية والدبلوماسية باعتبارها السبيل الأمثل لإنهاء النزاعات.
هذا النهج أكسب مصر مصداقية لدى أطراف متباينة المصالح، وجعلها وسيطًا مقبولًا في العديد من الملفات الإقليمية.
القضية الفلسطينية.. الدور الأكثر حضورًا
يظل الملف الفلسطيني أبرز ساحات الوساطة المصرية، حيث لعبت القاهرة دورًا محوريًا في التوصل إلى اتفاقات لوقف إطلاق النار خلال جولات التصعيد المتكررة في قطاع غزة، كما استضافت العديد من جولات الحوار بين الفصائل الفلسطينية، وسعت إلى تقريب وجهات النظر بهدف دعم مسار المصالحة الوطنية.
ويعود نجاح مصر في هذا الملف إلى موقعها الجغرافي، وعلاقاتها مع مختلف الأطراف، فضلًا عن إدراك المجتمع الدولي لأهمية الدور المصري في الحفاظ على استقرار المنطقة ومنع اتساع رقعة الصراع.
السودان.. دعم الحل السياسي
مع اندلاع الأزمة السودانية، كثفت مصر اتصالاتها مع الأطراف الإقليمية والدولية، مؤكدة أن الحل العسكري لن يؤدي إلا إلى مزيد من الانقسام والمعاناة الإنسانية. وحرصت القاهرة على دعم المبادرات الرامية إلى وقف إطلاق النار، والحفاظ على مؤسسات الدولة السودانية، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية.
كما استضافت اجتماعات ومؤتمرات إقليمية تناولت مستقبل السودان، انطلاقًا من ارتباط أمنه واستقراره بالأمن القومي المصري.
ليبيا.. أولوية للأمن والاستقرار
في الملف الليبي، دعمت مصر مسار التسوية السياسية، وشددت على أهمية إجراء انتخابات وطنية وتوحيد المؤسسات الليبية، مع رفض أي تدخلات خارجية من شأنها تعقيد الأزمة.
وتنظر القاهرة إلى استقرار ليبيا باعتباره ضرورة استراتيجية، ليس فقط بسبب الحدود المشتركة، وإنما لما يمثله ذلك من أهمية في مكافحة الإرهاب والهجرة غير الشرعية والجريمة المنظمة.
التوازن في العلاقات الدولية
نجحت السياسة الخارجية المصرية في الحفاظ على علاقات متوازنة مع القوى الكبرى، سواء الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي أو روسيا أو الصين، دون الانحياز الكامل لأي محور. وقد منح هذا التوازن القاهرة هامشًا أوسع للحركة الدبلوماسية، وعزز قدرتها على أداء أدوار الوساطة في الملفات الإقليمية.
كما انعكس هذا النهج في مشاركة مصر الفاعلة في القمم الدولية والإقليمية، وسعيها إلى توظيف علاقاتها المتعددة لخدمة قضايا الأمن والتنمية.
تحديات تواجه الوساطة المصرية
رغم النجاحات التي حققتها القاهرة، فإن دورها يواجه تحديات متزايدة، أبرزها تشابك الأزمات الإقليمية، وتعدد الأطراف المتدخلة، وتصاعد المنافسة بين القوى الدولية على النفوذ في المنطقة، فضلًا عن التطورات الأمنية والاقتصادية التي تلقي بظلالها على المشهد الإقليمي.
ومع ذلك، فإن امتلاك مصر لعلاقات متوازنة، ومؤسسات دبلوماسية ذات خبرة، ورؤية قائمة على دعم الحلول السياسية، يمنحها القدرة على مواصلة أداء هذا الدور.
أثبتت التجارب أن الوساطة المصرية لم تعد مجرد تحرك دبلوماسي عابر، بل أصبحت أحد المرتكزات الأساسية للسياسة الخارجية المصرية. وفي ظل استمرار الأزمات الإقليمية، يظل هذا الدور عنصرًا مهمًا في جهود احتواء النزاعات، ودعم الاستقرار، وتعزيز فرص الحوار والتسويات السياسية، بما يخدم مصالح شعوب المنطقة ويحافظ على الأمن الإقليمي.
جريدة المنطقة العربية رؤية فريدة وتفاصيل حصرية
